التصريف: هو التحويل والتنويع بأساليب مختلفة لزيادة البيان ، والمراد أن القرآن الكريم لا يعالج القضايا بأسلوب رتيب جامد ، بل يُحوِّل الكلام بين أساليب متعددة ؛ لأنه يخاطب طباعاً متعددة ، ويتعرض أيضاً لموضوعات متعددة ومعاني مختلفة ، فلا بُدَّ أن يصرف الأسلوب ويَقلِبه على أكثر من وجه ، فالذي لا يفهم هذه يفهم هذه ، فيعرض المعنى الواحد بأساليب متعددة وأمثال مختلفة.
ونأخذ مثالاً على ذلك قضية القمة ، وهي الألوهية ووحدانية الله تعالى ، فنرى القرآن يعرضها في معارض مختلفة هكذا: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا..} [الأنبياء: 22]
أي: في السماء والأرض.
وهذا الأسلوب قد لا يفهمه غير العربي ؛ لأنه يفتقد الملَكَة اللغوية التي يتلقّى بها كلام الله ، وقد يعترض فيقول: (إلا) أداة استثناء. فالمعنى: لو كان فيهما آلهة خارج منهم الله لَفَسدتَا ، فلو كانت هناك آلهة ومعهم الله فهذه لا تجوز ؛ لأنها مشاركة ، لكنها تفيد أن الله تعالى موجود ، وإنْ كان معه آخرون ، والمنطق في هذه الحالة يقول: لو كان في السماء والأرض آلهة ومعهم الله لا تفسد.
لكن الحقيقة أن {إِلاَّ} هنا ليس للاستثناء ، بل هي اسم بمعنى (غير) . فالمعنى إذن: لو كان فيهما آلهة غير الله لَفسدَتا.
ثم يعرضها بأسلوب آخر ، فيقول تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَاهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ..} [المؤمنون: 91]
فالحق تبارك وتعالى مُنزّه عن الولد والشريك ، إذ لو كان معه إله آخر لَذهبَ كل إله بما خلق ، واختصّ نفسه بمنطقة معينة ، ولعلا بعضُهم على بعض ، فإن أرادوا إبراز شيء للوجود ، فأيّهما يبرزه؟ إنْ قدر على إبراز واحد فالآخر عاجز ، وإنْ لم يقدر عليه واحد بمفرده ، فهما عاجزان لا يصلحان للألوهية.