قوله:"مَسْحوراً"الظاهرُ أنه اسمُ مفعولٌ من"السِّحْر"بكسرِ السين ، أي: مَخْبولَ العقلِ أو مخدوعَه . وقال أبو عبيدة:"معناه أن له سَحْراً"أي: رِئة بمعنى أنه لا يَستَغني عن الطعام والشرابِ ، فهو بشرٌ مثلُكم .
وتقول العرب للجبان:"قد انتفخ سَحْره"بفتح السين ، ولكلِّ مَنْ أكل وشرب: مَسْحُور ، ومُسْحَر . فمِنْ الأولِ قولُ امرئ القيس:
3069 - أرانا مُوْضَعِيْنَ لأمرِ غَيْبٍ ... ونُسْحَرُ بالطعامِ وبالشرَّابِ
أي: نُغَذَّى ونُعَلَّلُ . ومِن الثاني قول لبيد:
3070 - فإنْ تَسْأَلِينا فيمَ نحنُ فإنَّنا ... عصافيرُ مِنْ هذا الأَنامِ المُسَحَّرِ
ورَدَّ الناسُ على أبي عبيدة قولَه لبُعْدِه لفظاً ومعنى . قال ابن قتيبة:"لا أَدْري ما الذي حَمَل أبا عبيدةَ على هذا التفسيرِ المستكرَهِ مع ما فسَّره السلفُ بالوجوهِ الواضحةِ". قلت: وأيضاً فإن"السَّحْر"الذي هو الرِّئَة لم يُضْرَبْ له فيه مَثَلٌ بخلاف"السَّحْر"، فإنهم ضربوا له فيه المَثَلَ ، فما بعد الآيةِ مِنْ قولِه"انظر كيف ضَرَبُوا لك الأمثالَ"لا يناسِبُ إلا"السِّحْر"بالكسرِ .
{وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) }