قال الله - جلَّ جلالُه -: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) وقال:
(إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى(12) . فليس يبعد مع هذا أن يكون الله - جل ذكره
-أبقى بركة تجليه فيما هنالك إلى يوم القيامة، ولعلمه في الأزل بما يكون من ذلك
سماها في الكتاب الأول بذلك، كما سمى يحيى ومحمدًا؛ لعلمه السابق فيهما
وغير ذلك، وما من أحد إلا وهو معلوم عند الله - جلَّ جلالُه - باسمه واسم أبيه، وإنما
سمي كلاً بما هو عامله، وبما إليه أوجد، وما إليه مآله، فافهم.
(فصل)
جاء فيما صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه:"ركب البراق وصار معه جبريل - عليهما"
صلوات الله وسلامه - إلى بيت المقدس، قال: فربطت البراق بالحلقة التي تربط بها
الأنبياء، ودخلت المسجد فصليت فيه ركعتين"إلى قوله:"وأُتيت بالمعراج""
ووصفه وذكر أنه عرج به إلى السماوات سماءً سماءً إلى ما علا فوق ذلك.
(تنبيه)
قرن - جلَّ جلالُه - بين ذكر الإسراء بعبده بذكر الليل من المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى، وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتصال الإسراء بالعروج إلى العُلا، ولم يصف
بالإسراء إلا ما بين المسجدين، أرى ذلك - والله أعلم - لعدم الليل في السماوات
العُلا، فوصف بالإسراء ما يسكن فيه الليل والنهار.
قوله تعالى: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) يريد - وهو أعلم - الآيات التي
أراه بين المسجدين"من مشية في أرض فيحاء طيبة، ثم في أرض غمة منتنة"، فقال
له جبريل في الطيبة:"إنها أرض الجنة"وفي المنتنة:"إنها أرض جهنم".
"وما أراه من داعي اليهود إياه ثم داعي النصارى، ونداء المرأة إياه ذات الزينة"
والحلي حتى كادت تغشاه، وإتيان جبريل - عليه السَّلام - إليه بالإناءين: أحدهما: خمر،
والآخر: لبن، وأول إناء الخمر بالغواية، وإناء اللبن بالفطرة، والفطرة الإسلام،
ولقاءه موسى قائمًا في قبره يصلي، وعيسى في موضع بين المسجدين يصلي،
وتوصيتهما إياه بأمه، ولقاءه إبراهيم تحت الشجرة حوله أكثر صبيان رآهم قط،