بعبده، وإتيانه موسى الكتاب، وجعله هدى لبني إسرائيل، ثم قال:(أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ
دُونِي وَكِيلًا). فحصر معنى الرسالة كلها إلى ما في قوله:(أَلَّا تَتَّخِذُوا
مِنْ دُونِي وَكِيلًا)من معنى التوحيد وخالص التعبد الذي حاله التوكل.
ثم قال: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) . ذكَر بمنته القديمة؛ إذ لم يجعلهم من
الهالكين بالكفر وعرض باقتضاء الشكر بقوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا)
والشكور: هو العبد الذي أدخل نفسه في السلم كافة، فهو لا يتبع
خطوات الشيطان، ومن كانت حالته الشكر فهو يعمل الحسنات، فيكتب له في
التقبل الأعلى، ويكون كتابه في عليين، إن أذنب بادر بالتوبة والإعمال في
طاعة ربه، والسيئات ممحوَّة والحسنات مثبتة، ويصعد هذا إلى الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
قوله تعالى: (لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) جاء باسم الليل هنا،
والسرى معهود ألا يكون إلا ليلاً، وإنما ذلك لأنه الإسراء، وهو يكون بالليل ويكون
بالنهار، إذ الإسراء ذهاب به عن هذه الدار وما فيها إلى ما قد شاء الله أن يظهره
له فيما هنالك، فهو باطن في حق المسريّ به، ليس كذلك السرى الذي هو
بالأجسام.
وقال:(مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ
آيَاتِنَا)أراد - وهو أعلم - تبيين بُعد المسافة مع ذكر الليل،
وعجب من ذلك وتمدح به، وإنما معهود التعجيب أبدًا بما يُرى على
المعهود من إظهار المقدور الغائب يخرق به العوائد، وسمي بيت المقدس:
الأقصى، والمتكلم فيه المنتقل عنه المسجد الحرام إنباءً منه - جلَّ ذكره - بأنه
سيحدث للمسلمين مسجدًا ثالثا، وهو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، فكان مسجد
المدينة هو الأدنى؛ أي: إلى المسجد الحرام، وقال: إنه بارك فيما حوله، أي: بالثمار
وتفجير الأنهار، وربما سميت تلك الأرض: مقدسة ومباركة؛ لتجلي المبارك
القدوس - عزَّ جلاله - فيها لموسى - عليه السَّلام - وتكليمه إياه فيما هنالك.