الإفساد: أن تعمد إلى الصالح في ذاته فتُخرجه عن صلاحه ، فكُلُّ شيء في الكون خلقه الله تعالى لغاية ، فإذا تركتَه ليؤديَ غايته فقد أبقيته على صلاحه ، وإذا أخللْتَ به يفقد صلاحه ومهمته ، والغاية التي خلقه الله من أجلها.
والحق سبحانه وتعالى قبل أنْ يخلقنا على هذه الأرض خلق لنا مُقوّمات حياتنا في السماء والأرض والشمس والهواء.. الخ وليس مقومات حياتنا فحسب ، بل وأعدَّ لنا في كَوْنه ما يُمكِّن الإنسان بعقله وطاقته أن يَزيدَ الصالح صلاحاً ، فعلى الأقل إنْ لم تستطع أن تزيد الصالح صلاحاً فأبْقِ الصالح على صلاحه.
فمثلاً ، عندك بئر محفورة تخرج لك الماء ، فإما أنْ تحتفِظَ بها على حالها فلا تطمسها ، وإما أنْ تزيدَ في صلاحها بأنْ تبنيَ حولها ما يحميها من زحف الرمال ، أو تجعل فيها آلة رفع للماء تضخُّه في مواسير لتسهِّل على الناس استعمال ، وغير ذلك من أَوْجُه الصلاح.
ولذلك الحق سبحانه وتعالى يقول: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] .
أي: أنشأكم من الأرض ، وجعل لكم فيها مُقوّمات حياتكم ، فإنْ أحببتَ أنْ تُثري حياتك فأعمِلْ عقلك المخلوق لله ليفكر ، والطاقة المخلوقة في أجهزتك لتعمل في المادة المخلوقة لله في الكون ، فأنت لا تأتي بشيء من عندك ، فقط تُعمِل عقلك وتستغل الطاقة المخلوقة لله ، وتتفاعل مع الأرض المخلوقة لله ، فتعطيك كل ما تتطلع إليه وكل ما يُثرِي حياتك ، ويُوفِّر لك الرفاهية والترقي.
فالذين اخترعوا لنا صهاريج المياه أعملُوا عقولهم ، وزادوا الصالح صلاحاً ، وكم فيها من مَيْزات وفَّرت علينا عناء رفع المياه إلى الأدوار العليا ، وقد استنبط هؤلاء فكرة الصهاريج من ظواهر الكون ، حينما رأوا السيل ينحدر من أعلى الجبال إلى أسفل الوديان ، فأخذوا هذه الفكرة ، وأفلحوا في عمل يخدم البشرية.