وجه من قال: (كل ذلك كان سيئه) أنه يشبه أن يكون لما رأى الكلام انقطع عند قوله ذلك خير وأحسن تأويلا [الإسراء / 35] وكان الذي بعد من قوله: ولا تقف ما ليس لك به علم [36] أمرا حسنا فيه . كما كان بعد قوله: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [23] إلى
قوله: ولن تبلغ الجبال طولا [37] منه حسن ومنه سيّئ ، قال:
(كل ذلك كان سيئة) ، فأفرد ولم يضف .
فإن قلت: فكيف ذكر المؤنث في قوله: مكروها فإنه يجوز أن لا يجعله صفة لسيئة ، فيلزم أن يكون له فيه ذكر ، ولكن يجعله بدلا ، ولا يلزم أن يكون في البدل ذكر المبدل منه كما وجب ذلك في الصفة ويجوز أن يكون قوله: مكروها حالا من الذكر الذي في قوله: عند ربك على أن يجعل عند ربك مكروها صفة للنكرة سيئة .
والسيئة والحسنة قد جاءتا في التنزيل على ضربين: أحدهما مأخوذ بها ، وحسنة مثاب عليها ، كقوله: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها [الأنعام / 160] وتكون الحسنة والسيئة لما يستثقل في الطباع أو يستخفّ نحو قوله: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه [الأعراف / 131] وكقوله: ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا [الأعراف / 95] فهذا على الخصب والجدب ، وكذلك الفساد قد يكون فسادا معاقبا عليه كقوله: ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين [القصص / 77] ويكون على ذلك: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس [الروم / 41] فهذا على الجدب ، والبحر: الريف قال:
حسبت فيه تاجرا بصريّا ... نشر من ملائه البحريّا
وكذلك السوء كقوله: إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين [النحل / 27] وقوله: تخرج بيضاء من غير سوء [طه / 22] ومن الجدب والخصب قوله: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فقوله: فمن نفسك اي: عقوبة معجلة ، كما أنّ قوله: بما كسبت أيدي الناس كذلك .
[الإسراء: 41]