ولئن كان التيسير مطلوباً في كل زمن، فإنه في زماننا ألزم وأكثر تطلباً، نظراً لما نراه ونلمسه من رقة الدين، وضعف اليقين، وغلبة الحياة المادية على الناس، وعموم البلوى بكثير من المنكرات حتى أصبحت كأنها القاعدة في الحياة، وما عداها هو الشاذ، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، وكل هذا يقتضي التسهيل والتيسير، ولهذا قرر الفقهاء: أن المشقة تجلب التيسير، وأن الأمر إذا ضاق اتسع، وأن عموم البلوى من موجبات التخفيف.
4 -ادعوا بالحكمة والحسنى:
وأنصح هؤلاء الشباب المتدينين، رابعا: أن يتبعوا المنهج الذي رسمه القرآن في الدعوة إلى سبيل الله وجدال المخالفين، وهو ما جاء في خواتيم سورة النحل خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكي نهتدي بهديه من بعده: (( ادع إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجاد لهم بالّتي هي أحسن ) ) (النحل: 125) .
ومن تأمل الآية الكريمة وجد أنها لا تكتفي بالأمر بالجدال بالطريقة الحسنة، بل أمرت بالتي هي أحسن، فإذا كان هناك طريقتان للحوار والمناقشة، إحداهما: حسنة، والأخرى أحسن منها، وجب على المسلم أن يجادل بالتي هي أحسن، جذباً للقلوب النافرة، وتقريبا للأنفس المتباعدة.
ومن التي هي أحسن: ذكر مواضع الاتفاق بين المتجادلين، والانطلاق منها إلى مواضع الخلاف، عسى أن يتفق عليها كما في قوله تعالى: (( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاَّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم وقولوا: آمنَّا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون ) ) (العنكبوت:46) .
أما مواضع الاختلاف، فالحكم فيها إلى الله يوم القيامة: (( وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ) ) (الحج: 68 - 69) .
وإذا كان هذا أسلوب جدال المسلم لغير المسلم، فكيف يكون جدال المسلم للمسلم وقد أظلتهما وحدة العقيدة والأخوة في الدين؟
إن بعض الإخوة يخلطون بين الصراحة في الحق والخشونة في الأسلوب، مع أنه لا تلازم بينهما، والداعية الحكيم هو الذي يوصل الدعوة إلى غيره بألين الطرق، وأرق العبارات، دون أدنى تفريط في المضمون.