والواقع المشاهد يعلمنا: أن الأسلوب الخشن يضيع المضمون الحسن، ولهذا ورد في الأثر: من أمر بمعروف، فليكن أمره بمعروف.
وقال الإمام الغزالي في كتاب"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"من"الإحياء"لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهى عنه.
ومما ذكره هنا رحمه الله: أن رجلا دخل على المأمون، الخليفة العباسي، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، فأغلط له القول، وقسا في التعبير، ولم يراع أن لكل مقام مقالاً يناسبه، وكان المأمون ذا فقه فقال له: يا هذا، ارفق، فإن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق، بعث موسى وهارون، وهما خير منك، إلى فرعون، وهو شر مني، وأوصاهما بقوله: (( اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا ليِّناً لعلّه يتذكر أو يخشى ) ) (طه:43)
وبهذا حج المأمون ذلك الرجل وخصمه، فلم يجد جواباً. ومما علمه الله لموسى أن تكون دعوته لفرعون بهذه الصيغة اللينة الرقيقة: (( فقل: هل لك إلى أن تزكّى وأهديك إلى ربك فتخشى ) ) (النازعات: 19) .
ومن اطلع على حوار موسى مع فرعون في القرآن الكريم، يجده قد وعى وصية الله له، ونفذها بكل دقة برغم تجبر فرعون واستعلائه، وتهجمه واتهامه وتهديده، كما يتبين ذلك من سورة الشعراء.
ومن درس سيرة رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم وسنته في هذا الجانب رأى في هديه: الرفق الذي يرفض العنف، والرحمة التي تنافي القسوة، واللين الذي يأبى الفظاظة: كيف لا، وقد وصفه الله بقوله: (( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكمْ بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم ) ) (التوبة: 128) .
وصور علاقته بأصحابه في قوله: (( فَبِما رحمة مِنَ الله لِنْت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك ) ) (آل عمران: 159) .