وهذا ما لم يصل الأمر إلى الكفر الصريح، والخروج السافر عن الإسلام، كما في حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين"إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان".
ومن هنا يتبين لنا خطأ المثاليين الحالمين الذين يطالبون النّاس بالإسلام الكامل في عقائدهم وعباداتهم، ومعاملاتهم، وأخلاقهم وآدابهم، أو يتخلوا عن الإسلام بالكلية، فلا وسط عندهم ولا درجات، فإما إسلام تام مطلق أو لا إسلام.
حصر هؤلاء تغيير المنكر في مرتبة واحدة، هي التغيير باليد، وأسقطوا المرتبتين الأخيرتين، وهما: التغيير باللسان، والتغيير بالقلب، حسب استطاعة المكلف ووسعه.
ونسي هؤلاء أن التكليف في شرع الإسلام بحسب الطاقة والوسع، وأن طاقات الناس تتفاوت، وظروفهم تختلف، ولهذا راعى الشرع الأعذار والضرورات، وجعل لها أحكامها الخاصة، حتى إنه ليبيح بها المحظورات، ويسقط الواجبات.
وما أعدل ما قاله الإمام ابن تيمية في ذلك:
إن الله تعالى قد أخبر في غير موضع أنه لا يكلف نفساً إلاّ وسعها، كقوله: (( لا يكلّف الله نفسّاً إلاّ وُسعها ) ) (البقرة: 286) ، وقوله تعالى: (( والّذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلِّف نفساً إلاّ وُسعها ) ) (الأعراف: 42) ، وقوله: (( لا تكلِّفُ نفس إلاّ وسعها ) ) (البقرة: 233) ، وقوله: (( لا يكلِّف الله نفساً إلاّ ما آتاها ) ) (الطلاق: 65) .
وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة، فقال: (( فاتّقوا الله ما استطعتم ) ) (التغابن: 16) ، وقد دعاه المؤمنون بقولهم: (( ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الّذين من قبلنا ربّنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به ) ) (البقرة: 286) ، فقال: (قد فعلت) فدلّت هذه النصوص على أنه لا يكلّف نفساً ما تعجز عنه، خلافاً للجهمية المجبرة، ودلت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي خلافاً للقدرية والمعتزلة.