فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 259287 من 466147

ويدخل في هذه المعاني: أن من الجائز - بل من المطلوب - شرعاً، السكوت على المنكر، مخافة وقوع منكر أكبر منه، احتمالاً لأهون الشرين، وارتكاباً لأخف الضررين، كما تقرر ذلك القواعد الشرعية.

ومن الأدلة الخاصة لذلك ما ذكره القرآن الكريم عن نبي الله هارون، أخي موسى وشريكه في الرسالة إلى فرعون وقومه، فقد ترك موسى أخاه هارون عليهما السلام، خليفة في قومه، وذهب لمناجاة ربه، وكان ما كان من أمر السامري وعجله الذهبي الذي فتن به بني إسرائيل، حتى عبدوه (( ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإنّ ربّكم الرّحمن فاتّبِعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتّى يرجع إلينا موسى ) )

(طه: 90 - 91) .

وسكت هارون على هذا الانحراف الخطير، وأي انحراف أكبر من الشرك وعبادة عجل لا يرجع إليهم قولاً، ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولا يهديهم سبيلاً؟

ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً لما أحدثه قومه من بعده، قائلاً: بئسما خلفتموني من بعدي، وألقى ألواح التوراة، وأخذ برأس أخيه يجره إليه في حدة وغضب (( قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا ألاّ تتَّبعنِ أفعصيت أمري ) ) (طه: 93) ، فماذا كان جواب هارون (( قال يابن أمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إنّي خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ) ) (طه: 94) .

فهنا يعتبر هارون عليه السلام الحفاظ على وحدة الجماعة حتى يعود زعيمها الأول، حجة له في السكوت على ضلال القوم، حتى لا يقول قائل: إنه تعجل القرار، وفرق الجماعة، ولم ينتظر عودة موسى.

ومن ذلك حديث عائشة في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال لها:"لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم"أي: إنه عليه الصلاة والسلام ترك فعل ما يرى أنه مطلوب خشية أن يثير فتنة - عند قوم لم يتمكن الإسلام من أنفسهم بعد - بسبب هدم الكعبة وبنائها من جديد.

ومن ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة إذا لم تكن هناك قدرة على خلعهم واستبدال آخرين صالحين بهم، مخافة فتنة أكبر، ومفسدة أعظم، تراق فيها الدماء، وتنتهك الحرمات، وتذهب الأموال، ويتزعزع الأمن والاستقرار، دون أن يتحقق تغيير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت