ووجه هذا القول: أن اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان بعض الأحيان ولا يتعمق فيه، ولا يقيم عليه يقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال: ما فعلته إلا لماما وإلماماً، أي: الحين بعد الحين.
وهذا يدل على أن في دين الله متسعاً لكل من لم تصبح الكبائر خطاً ثابتاً في حياته، وأن مغفرة الله تسع كل الذنوب لمن تاب منها.
ومن روائع الدروس التربوية الإسلامية ما جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في تعليم الناس كيف يتغاضون عن صغائر الذنوب وتوافه العيوب، إذا وقعت ممن يؤدي الفرائض، ويجتنب الكبائر، فليس هناك إنسان معصوم، وكل بني آدم خطاء، ولم يخلق الله البشر ملائكة مطهرين.
روى ابن جرير بسنده عن ابن عون عن الحسن البصري: أن ناساً سألوا عبد الله بن عمر بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله عزوجل، أمر أن يعمل بها، لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك .. فقدم وقدموا معه .. فلقي عمر رضي الله عنه، فقال: متى قدمت؟
قال: منذ كذا وكذا ..
قال: أبإذن قدمت؟
قال الحسن: فلا أدري كيف رد عليه
فقال: يا أمير المؤمنين، إن ناساً لقوني بمصر، فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله أمر أن يعمل بها، فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك.
قال: فاجمعهم لي.
قال: فجمعتهم له (قال ابن عون: في بهو) ، فأخذ أدناهم رجلاً
فقال: أنشدك بالله، وبحق الإسلام عليك: أقرأت القرآن كله؟
قال: نعم.
قال: فهل أحصيته في نفسك؟ (يعني: هل استقصيت العمل به في تصحيح نيتك وتطهير قلبك، ومحاسبتك نفسك؟) .
فقال: اللهم لا. (ولو قال: نعم، لخصمه) أي: لأفحمه وألزمه الحجة.
قال: فهل أحصيته ببصرك؟ فهل أحصيته في لفظك (أي: كلامك) ؟ فهل أحصيته في أثرك (أي: في خطواتك ومشيك) ؟
ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم. (يعني: وهو يسألهم: هل استقصيتم العمل بكتاب الله كله في أنفسكم وجوارحكم، وأقوالكم وأعمالكم، وحركاتكم وسكناتكم؟ وهم بالطبع يجيبون: اللهم لا) فقال: ثكلت عمراً أمه! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله (أي: بالصورة التي تفهمونها أنتم، ولم تقيموها في أنفسكم باعترافكم) .