وكما أن الأعمال ـ مأموراتها ومنهياتها ـ مراتب، فالنّاس كذلك مراتب، وأقصد بالنّاس هنا: أهل الإسلام، ولهذا يخطئ بعض المتدينين أشد الخطأ حين يعامل الناس كل النّاس على أنهم في مرتبة واحدة، دون تمييز بين العموم والخصوص، وخصوص الخصوص، ولا تفريق بين المبتدئ والمنتهي، ولا بين الضعيف والقوي، مع أن في الدين متسعاً للجميع، حسب مراتبهم واستعداداتهم، ولهذا كان فيه العزيمة والرخصة، وفيه العدل والفضل، وفيه الفرض والنفل، والالتزام والتطوع، وقديماً قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقال الله تعالى: (( ثُمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) )فاطر: (32) .
وقد فسر الظالم لنفسه بأنه: المقصر في بعض الواجبات، والمرتكب لبعض المحظورات.
وفسر المقتصد بأنه: المقتصر على فعل الواجبات وترك المحرمات.
وفسر المقتصد بأنه: المقتصر على فعل الواجبات وترك المحزمات.
وفسر السّابق بالخيرات بأنه: الذي لا يكتفي بفعل الواجبات، بل يزيد عليها السنن والمستحبات، ولا يقف عند ترك المحرمات، بل يضيف إليها اتقاء الشبهات والمكروهات، بل يدع بعض ما لا بأس به حذراً مما به بأس.
وهذه الأصناف الثلاث جميعا -بما فيها الظالم لنفسه - داخلة في الأمة المصطفاة التي أورثها الله الكتاب بنص الآية الكريمة: (( ثمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) ) (فاطر:32) .
ولهذا كان من الخطأ والخطل إخراج بعض النّاس من الملة والأمة لمجرد أنهم عصاة ظلموا أنفسهم.
وكان من الخطل أيضاً إسقاط هذه المراتب، ومعاملة الناس على أنهم كلهم يجب أن يكونوا سابقين بالخيرات بإذن الله.
ومن المتدينين المخلصين من يدفعه الحماس الدافق، والحس المرهف، فيسارع إلى رمي بعض المسلمين بالفسوق عن الدين، ويتخذ منه موقف الجفاء أو العداء لمجرد ارتكابهم لبعض صغائر الذنوب، وربما بعض المشتبهات التي يختلف العلماء في حكمها، وتتعارض فيها الأدلة، ولا ترقى إلى الحرام المقطوع به بحال.