قال: ما حكم صلاة التراويح؟
قالوا: سنة، يثاب من فعلها، ولا يعاقب من تركها.
قال: وما حكم الأخوة بين المسلمين؟
قالوا: فريضة دينية، ودعامة من دعائم الإيمان.
قال: وهل يجوز في شرع الله أن نضيع فريضة للمحافظة على سنة؟
إنكم لو أبقيتم على أخوتكم ووحدتكم، وانصرفتم إلى بيوتكم، ليصلي كل منكم في بيته ما ترجح له واطمأن إلى دليله: ثماني ركعات أو عشرين لكان خيراً من أن تحتصموا وتقتتلوا.
ذكرت ذلك لبعض النّاس، فقال: هذا فرار من قول الحق، وبيان السنة من البدعة، وهذا واجب.
قلت: هذا أمر فيه سعة، وأنا ـ وإن كنت أصلي ثماني ـ لا أبدّع من صلى عشرين.
قال: ولكن الفصل في الخلف واجب لا يجوز الهرب منه.
قلت: هذا صحيح حين يدور الأمر بين حلال وحرام، أو بين حق وباطل، أما الأمور التي اختلفت فيها المدارس الفقهية .. وغدا لكل منها فيها وجهة، ودار الأمر فيها عادة بين الجائز والأفضل، فلا داعي للتشدد والتعنت فيها.
وهذا ما قرره العلماء المنصفون في وضوح وجلاء:
قال في"شرح غاية المنتهى"، من كتب الحنابلة:
"من أنكر شيئاٍ من مسائل الاجتهاد، فلجهله بمقام المجتهدين، وعدم علمه بأنهم أسهروا أجفانهم، وبذلوا جهدهم، ونفائس أوقاتهم في طلب الحق، وهم مأجورون لا محالة أخطأوا أو أصابوا، ومتبعهم ناج، لأن الله شرع لكل منهم ما أداه إليه اجتهاده، وجعله شرعاً مقراً في نفس الأمر، كما جعل الحل في الميتة للمضطر، وتحريمها على المختار، حكمين ثابتين في نفس الأمر للفريقين بالإجماع، فأي شيء غلب على ظن المجتهد، فهو حكم الله في حقه وحق من قلده".
ونقل ابن تيمية في الفتاوى المصرية قوله:
مراعاة الائتلاف هي الحق، فيجهر بالبسملة أحياناً لمصلحة راجحة، ويسوغ ترك الأفضل لتأليف القلوب، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت من خشية تنفيرهم، نص الأئمة، كأحمد على ذلك في البسملة، ووصل الوتر وغيره، مما فيه العدول من الأفضل إلى الجائز، مراعاة للائتلاف أو لتعريف السنة، أو أمثال ذلك، والله أعلم.