وإذا كان هؤلاء قد اختلفوا، وهم أقرب النّاس عهداً بالنبوة، وأعرفهم بقرائن الأحكام، فما بالنا نتناحر في خلافات تافهة لا خطر لها؟ وإذا كان الأئمة، وهم أعلم النّاس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قد اختلف بعضهم على بعض، وناظر بعضهم بعضاً، فلم لا يسعنا ما وسعهم؟ وإذا كان الخلاف قد وقع في أشهر المسائل الفرعية وأوضحها، كالأذان الذي ينادى به خمس مرات في اليوم الواحد، ووردت به النصوص والآثار، فما بالك في دقائق المسائل التي مرجعها إلى الرأي والاستنباط؟
وثم أمر آخر جدير بالنظر، إن النّاس كانوا إذا اختلفوا رجعوا إلى الخليفة فيقضي بينهم، ويرفع حكمه الخلاف، أما الآن فأين الخليفة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأولى بالمسلمين أن يبحثوا عن القاضي، ثم يعرضوا قضيتهم عليه، فإن اختلافهم من غير مرجع لا يردهم إلاّ إلى خلاف آخر.
يعلم إخواننا كل هذه الحيثيات، فهم لهذا أوسع النّاس صدوراً مع مخالفيهم، ويرون أن مع كل قوم علماً، وفي كل دعوة حقاً وباطلاً، فهم يتحرون الحق ويأخذون به ويحاولون في هوادة ورفق إقناع المخالفين بوجهة نظرهم، فإن اقتنعوا فذاك، وإن لم يقتنعوا فإخوان في الدين، نسأل الله لنا ولهم الهداية.
هذا هو رأي الأستاذ البنا في الخلاف الفقهي وموقفه منه، وهو يدل على عمق فهمه للدين، وللتاريخ، وللواقع جميعاً.
ومن المواقف العملية التي تروى عنه -وربما رويت عن علماء آخرين أيضاً - مما له دلالة بليغة في موضوعنا: أنه ذهب لزيارة إحدى القرى لإلقاء محاضرة هناك، وكان ذلك في رمضان، وقد انقسم أهل القرية إلى فريقين يختصمان حول صلاة التراويح، أهي عشرون ركعة كما صليت في عهد عمر، وتوارثها النّاس على مر القرون بعد ذلك، أم هي ثماني ركعات فقط، كما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان لا يزيد على ذلك في رمضان ولا غيره؟ رأيان تعصب لكل منهما فريق من أهل البلدة حتى كادا يقتتلان وكل يدعي أنه على الحق والسنة، وأن الآخر على خطأ وبدعة، فلما عرفوا أن الشيخ المرشد البنا قادم إليهم، رضوا أن يحتكموا إليه فيما اختلفوا فيه، وكل فئة تحسب أنه سيحكم لها ضد الأخرى.
ولكن الأستاذ الإمام رحمه الله اتجه يهم وجهة أخرى.