فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 259271 من 466147

وجاء تلاميذهم من التابعين لهم بإحسان، فوجدوا في هذا الخلاف سعة ورحمة للأمة، وخصوبة وثراء للفقه، ولم تضق بذلك صدورهم، كما فعل أناس من المتأخرين بعد، يقول خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ما وددت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، اختلافهم رحمة.

وكيف لا يختلف الصحابة ومن بعدهم، وقد اختلفوا في حياة الرسول نفسه، وأقر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذا الاختلاف، دون أن يلوم أحداً من المختلفين.

وهذا ثابت في قضية صلاة العصر في بني قريظة، حين قال لهم بعد غزوة الأحزاب:"من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة"وصلى بعضهم في الطريق قبل فوات الوقت، وقالوا: إنما أراد منا سرعة النهوض لا تأخير الصلاة عن وقتها، وأبي الآخرون إلاّ أن يقفوا عند ظاهر النص، وأن ينفذوه بحرفيته .. أخذ الأولون بالفحوى، وأخذ الآخرون بالظاهر، فأولئك ـ كما قال ابن القيم ـ سلف أهل القياس والمعاني، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، والمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام، لما بلغه صنيع الفريقين، لم يلم هؤلاء ولا هؤلاء، مع أن أحدهما مخطئ بلا ريب، فدلّنا ذلك على أن العمل إذا تم بناء على اجتهاد، فلا ينبغي أن يكفر أو يؤثم.

وقد عرفنا في عصرنا أناساً يجهدون أنفسهم، ويجهدون الناس معهم، ظانين أنهم قادرون على أن يصبوا النّاس في قالب واحد يصنعونه هم لهم، وأن يجتمع النّاس على رأي واحد، يمشون فيه وراءهم، وفق ما فهموه من النصوص الشرعية، وبذلك تنقرض المذاهب، ويرتفع الخلاف، ويلتقي الجميع على كلمة سواء.

ونسي هؤلاء أن فهمهم للنصوص ليس أكثر من رأي يحتمل الخطأ، كما يحتمل الصواب، إذ لم تضمن العصمة لعالم فيما ذهب إليه، وإن جمع شروط الاجتهاد كلها. كل ما ضمن له هو الأجر على اجتهاده، أصاب أم أخطأ.

ولهذا لم يزد هؤلاء على أن أضافوا إلى المذاهب المدونة مذهباً جديداً!

ومن الغريب أن هؤلاء ينكرون على أتباع المذاهب تقليدهم لأئمتها، على حين يطلبون من جماهير النّاس أن يقلدوهم ويتبعوهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت