وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مِمَّا فِي بُطُونِهِ} وَقَدْ ذَكَرَ الْأَنْعَامَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهِيَ جَمْعٌ وَالْهَاءُ فِي الْبُطُونِ مُوَحَّدَةٌ، فَإِنَّ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: النَّعَمُ وَالْأَنْعَامُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا جَمْعَانِ، فَرَدَّ الْكَلَامَ فِي قَوْلِهِ: {مِمَّا فِي بُطُونِهِ} إِلَى التَّذْكِيرِ مُرَادًا بِهِ مَعْنَى النَّعَمِ، إِذْ كَانَ يُؤَدِّي عَنِ الْأَنْعَامِ، وَيَسْتَشْهِدُ لِقَوْلِ ذَلِكَ بِرَجَزِ بَعْضِ الْأَعْرَابِ:
[البحر الرجز]
إِذَا رَأَيْتَ أَنْجُمًا مِنَ الْأَسَدْ ... جَبْهَتَهُ أَوِ الْخَرَاةِ وَالْكَتَدْ
بَالَ سُهَيْلٌ فِي الْفَضِيخِ فَفَسَدْ ... وَطَابَ أَلْبَانُ اللِّقَاحِ فَبَرَدْ
وَيَقُولُ: رَجَعَ بِقَوْلِهِ: «فَبَرَدْ» إِلَى مَعْنَى اللَّبَنِ، لِأَنَّ اللَّبَنَ وَالْأَلْبَانَ تَكُونُ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، وَفِي تَذْكِيرِ النَّعَمِ قَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الرجز]
أَكُلَّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهْ ... يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَنْتِجُونَهْ
فَذَكَّرَ النَّعَمَ وَكَانَ غَيْرُهُ مِنْهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا قَالَ: {مِمَّا فِي بُطُونِهِ} لِأَنَّهُ أَرَادَ: مِمَّا فِي بُطُونِ مَا ذَكَرْنَا، وَيُنْشِدُ فِي ذَلِكَ رَجَزًا لِبَعْضِهِمْ:
مِثْلُ الْفِرَاخِ نُتِّفَتْ حَوَاصِلُهْ وَقَوْلُ الْأَسْوَدِ بْنِ يُعْفُرَ:
[البحر الكامل]
إِنَّ الْمَنِيَّةَ وَالْحُتُوفَ كِلَاهُمَا ... يُوفِي الْمَخَارِمَ يَرْقُبَانِ سَوَادِي
فَقَالَ: «كِلَاهُمَا» ، وَلَمْ يَقُلْ: «كِلْتَاهُمَا» ، وَقَوْلُ الصِّلْتَانِ الْعَبْدِيِّ:
[البحر الكامل]
إِنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءَةَ ضُمِّنَا ... قَبْرًا بِمَرْوَ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الطويل]
وَعَفْرَاءُ أَدْنَى النَّاسِ مِنِّي مَوَدَّةً ... وَعَفْرَاءُ عَنِّي الْمُعْرِضُ الْمُتَوَانِي
وَلَمْ يَقُلِ: الْمُعْرِضَةُ الْمُتَوَانِيَةُ، وَقَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الطويل]
إِذِ النَّاسُ نَاسٌ وَالْبِلَادُ بِغِبْطَةٍ ... وَإِذْ أُمُّ عَمَّارٍ صَدِيقٌ مُسَاعِفُ
وَيَقُولُ: كُلُّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى هَذَا الشَّيْءِ وَهَذَا الشَّخْصِ وَالسَّوَادِ، وَمَا