فنفى عنهم القدرة على الخَلْق ، بل إنهم هم المخلوقون . . يذهب الواحد منهم فيُعجبه حجر ، فيأخذه ويُعمل فيه مِعْوله حتى يُصوِّره على صورة ما ، ثم يتخذه إلهاً يعبده من دون الله .
فلما نفى عنهم القدرة على الخَلْق أراد هنا أنْ يترقّى في الاستدلال ، فنفى عنهم مجرد أنْ يملكوا ، فقد يملك الواحد ما لا يخلقه ، فتُقرّر الآية هنا أنهم لا يملكون . . مجرد الملك .
وقوله تعالى:
مِّنَ السماوات والأرض شَيْئاً .
فالرزق من السماء بالمطر ، ومن الأرض بالنبات ، ومن المصدرين يأتي رزق الله ، وبذلك يضمن لنا الحق تبارك وتعالى مُقوِّمات الحياة وضرورياتها من ماء السماء ونبات الأرض .
فإنْ أردتُمْ ترفَ الحياة فاجتهدوا فيما أعطاكم الله من مُقوِّمات الحياة لِتصلوا إلى هذا الترف .
فالرزق الحقيقي المباشر ما أنزله الله لنا من مطر السماء فأنبت لنا نبات الأرض .
ونُوضِّح ذلك فنقول: هَبْ أن عندك جبلاً من ذهب ، أو جبلاً من فضة ، وقد عضَّك الجوع في يوم من الأيام . . هل تستطيع أنْ تأكلَ من الذهب أو الفضة؟
إنك الآن في حاجة لرغيف عيش ، لا لجبل من ذهب أو فضة . . رغيف العيش الذي يحفظ لك حياتك في هذا الموقف أفضل من هذا كله .
وهذا هو الرزق المباشر الذي رزقه الله لعباده ، أما المال فهو رِزْق غير مباشر ، لا تستطيع أن تأكل منه أو تعيش عليه .
وكلمة: (شَيْئَاً) أي: أقلّ ما يُقَال له شيء ، فالأصنام والأوثان لا تملك لهم رزقاً مهما قَلَّ ؛ لأنه قد يقول قائل: لا يملكون رِزْقاً يكفيهم . . لا . . بل لا يملكون شيئاً .
ثم يعطينا الحق سبحانه لمحة أخرى في قوله تعالى:
{وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} [النحل: 73] .