والتديّن غريزة في النفس يلجأ إليها الإنسان في وقت ضعفه وحاجته . . والله سبحانه هو الذي يحب أن نلجأ إليه وندعو ونطلب منه قضاء الحاجات . . وله منهج يقتضي مطلوبات تدكُّ السيادة والطغيان في النفوس ويقتضي تكليفات شاقة على النفس .
إذن: لجأ الكفار إلى عبادة الأصنام والأوثان لأنها آلهة بلا تكليف ، ومعبودات بلا مطلوبات .
ما أسهل أن يتمحّك إنسان في إله ويقول: أنا أعبده دون أن يأمر بشيء أو ينهى عن شيء! ما أسهل أن يُرضي في نفسه غريزة التدين بعبادة مثل هذا الإله .
لكن يجب ألاّ تنسوا أن هذا الإله الذي ليس له تكليف لن تستطيعوا أنْ تطلبوا منه شيئاً ، أو تلجأوا إليه في شدة . . فهذا غير معقول فكما أنهم لا يطلبوا منكم شيئاً ، كذلك لا يملكون لكم نَفْعاً ولا ضراً .
لذلك وجدنا الذين يدَّعُون النبوة . . هؤلاء الكذابون يُيسِّرون على الناس سُبُل العبادة ، ويُبيحون لهم ما حرَّمه الدين مثل اختلاط الرجال والنساء وغيره ؛ ذلك لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الأتباع .
فجاء مسيلمة الكذاب وأراد أن يُسهِّل على الناس التكليف فقال بإسقاط الصلاة ، وجاء الآخر فقال بإسقاط الزكاة . . وقد جذب هذا التسهيل كثيراً من المغفلين الذين يَضِيقون بالتكليف ، ويميلون لدين سَهْل يناسب هِمَمهم الدَّنية .
وهكذا وجدنا لهؤلاء الكذابين أنصاراً يُؤيّدونهم ويُناصرونهم . . ولكن سرعان ما تتكشف الحقائق ، ويقف هؤلاء المخدوعون على حقيقة أنبيائهم .
وقوله تعالى:
{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً . .} [النحل: 73] .
نلاحظ في هذه الآية نَوْعاً من الارتقاء في الاستدلال على بطلان عبادة الأصنام ؛ ذلك لأن الحق تبارك وتعالى قال عنهم في آية أخرى: {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20] .