وقد ذكرنا أنك لو أجريتَ معادلة بين الناس لوجدتَ مجموع كل إنسان يساوي مجموع كُلِّ إنسان ، بمعنى أنك لو أخذتَ مثلاً: الصحة والمال والأولاد والقوة والشجاعة وراحة البال والزوجة الصالحة والجاه والمنزلة . . الخ لوجدت نصيب كُلٍّ منّا في نهاية المعادلة يساوي نصيب الآخر ، فأنت تزيد عني في القوة ، وأنا أزيد عنك في العلم ، وهكذا . . لأننا جميعاً عبيدٌ لله ، ليس مِنّا مَنْ بينه وبين الله نسب أو قرابة .
وقوله تعالى:
{فَمَا الذين فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ على مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ...} [النحل: 71] .
فما ملكت أيمانهم: هم العبيد المماليك . . والمعنى: أننا لم نَرَ أحداً منكم فضّله الله بالرزق ، فأخذه ووزّعه على عبيده ومماليكه ، أبداً . . لم يحدث ذلك منكم . . والله سبحانه لا يعيب عليهم هذا التصرف ، ولا يطلب منهم أنْ يُوزّعوا رزق الله على عبيدهم ، ولكن في الآية إقامةٌ للحجة عليهم ، واستدلال على سُوء فعلهم مع الله سبحانه وتعالى .
وكأن القرآن يقول لهم: إذا كان الله قد فُضَّل بعضكم في الرزق ، فهل منكم مَنْ تطوع برزق الله له ، ووزَّعه على عبيده؟ . . أبداً . . لم يحدث منكم هذا . . فكيف تأخذون حق الله في العبودية والألوهية وحقّه في الطاعة والعبادة والنذر والذبح ، وتجعلونه للأصنام والأوثان؟!
فأنتم لم تفعلوا ذلك فيما تملكون . . فكيف تسمحون لأنفسكم أنْ تأخذوا حقَّ الله ، وتعطوه للأصنام والأوثان؟
ويقول تعالى في آية أخرى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ . .} [الروم: 28] .
أي: أنكم لم تفعلوا هذا مع أنفسكم ، فكيف تفعلونه مع الله؟ فهذه لَقْطة: أنكم تُعاملون الله بغير ما تُعاملون به أنفسكم:
{فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ...} [النحل: 71] .