إذن: ما الذي ربط المجتمع؟ هي الحاجة لا التفضُّل ، وما دام العالم سيرتبط بالحاجة ، فكل إنسان يرى نفسه فاضلاً في ناحية لا يغترّ بفاضليته ، بل ينظر إلى فاضلية الآخرين عليه ؛ وبذلك تندكُّ سِمَة الكبرياء في الناس ، فكلٌّ منهما يُكمل الآخر .
وقد ضربنا لذلك مثلاً بالباشا الغني صاحب العظمة والجاه . . والذي قد تُلْجِئه الظروف وتُحوجه لعامل بسيط يُصلح له عُطْلاً في مرافق بيته ، وربما لم يجده أو وجده مشغولاً ، فيظل هذا الباشا العظيم نَكِداً مُؤرّقاً حتى يُسعفه هذا العامل البسيط ، ويقضي له ما يحتاج إليه .
هكذا احتاج صاحب الغنى والجاه إلى إنسان ليس له من مواهب الحياة إلا أنْ يقضي مثل هذه المهام البسيطة في المنزل . . وهو في نفس الوقت فاضل على الباشا في هذا الشيء .
فالجميع إذن في الكون سواسية ، ليس فينا مَنْ بينه وبين الله سبحانه نسب أو قرابة فيجامله . . كلنا عبيد لله ، وقد نثر الله المواهبَ في الناس جميعاً ليتكاملوا فيما بينهم ، وليظل كُلٌّ منهم محتاجاً إلى الآخر ، وبهذا يتم الترابط في المجتمع .
وقد عُرِضَتْ هذه القضية في آية أخرى في قوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً . .} [الزخرف: 32] .
البعض يفهم أن الفقير مُسخّر للغنيّ ، لكن الحقيقة أن كلاً منهما مُسخَّر للآخر . . فالفقير مُسخّر للغني حينما يعمل له العمل ، والغني مُسخّر للفقير حينما يعطي له أجره . .
ولذلك فالشاعر العربي يقول:
النَّاسُ لِلْناسِ مِنْ بَدْوٍ وحاضرة ... بَعْضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خَدَمُ
ونضرب هنا مثلاً بأخسِّ الحرف في عُرْف الناس وإنْ كانت الحِرف كلها شريفة ، وليس فيها خِسَّة طالما يقوت الإنسان منها نفسه وعياله من الحلال .