فالحق سبحانه يقول:
{فِي الرزق ...} [النحل: 71] .
ينظر الناس إلى الرزق من ناحية واحدة ، فهو عندهم المال ، فهذا غنيّ وهذا فقير . . والحقيقة أن الرزق ليس المال فقط ، بل كُلّ شيء تنتفع به فهو رِزْقك . . فهذا رِزْقه عقله ، وهذا رِزْقه قوته العضلية . . هذا يفكر وهذا يعمل .
إذن: يجب ألاَّ ننظر إلى الرزق على أنه لَوْن واحد ، بل ننظر إلى كل ما خلق الله لخَلْقه من مواهب مختلفة: صحة ، قدرة ، ذكاء ، حِلْم ، شجاعة . . كل هذا من الرزق الذي يحدث فيه التفاضل بين الناس .
والحق سبحانه وتعالى حينما تعرَّض لقضية الرزق جعل التفاضل هنا مُبْهماً ، ولم تحدد الآية مَنِ الفاضل ومَنِ المفضول ، فكلمة بَعْضٍ مُبْهمة لنفهم منها أن كل بعض منَ الأبعاض فاضل في ناحية ، ومفضول في ناحية أخرى .. فالقوي فاضل على الضعيف بقوته ، وهو أيضاً مفضول ، فربما كان الضعيف فاضلاً بما لديه من علم أو حكمة . . وهكذا .
إذن: فكلُّ واحد من خَلْق الله رَزَقه الله موهبة ، هذه الموهبة لا تتكرر في الناس حتى يتكامل الخَلْق ولا يتكررون . . وإذا وجدت موهبة في واحد وكانت مفقودة في الآخر فالمصلحة تقتضي أن يرتبط الطرفان ، لا ارتباط تفضُّل ، وإنما ارتباط حاجة . . كيف؟
القويُّ يعمل للضعيف الذي لا قوةَ له يعمل بها ، فهو إذن فاضل في قوته ، والضعيف فاضل بما يعطيه للقوي من مال وأجر يحتاجه القوي ليقُوتَ نفسه وعياله ، فلم يشأ الحق سبحانه أنْ يجعلَ الأمر تفضُّلاً من أحدهما على الآخر ، وإنما جعله تبادلاً مرتبطاً بالحاجة التي يستبقي بها الإنسان حياته .
وهكذا يأتي هذا الأمر ضرورة ، وليس تفضَّلاً من أحد على أحد ؛ لأن التفضُّل غير مُلْزَم به فليس كل واحد قادراً على أن يعطي دون مقابل ، أو يعمل دون أجر . . إنما الحاجة هي التي تحكم هذه القضية .