(فصل: تَأمل أحوال النَّحْل وَمَا فِيهَا من العبر والآيات)
فَانْظُر إليها وإلى اجتهادها فِي صَنْعَة الْعَسَل وبنائها الْبيُوت المسدسة الَّتِي هِيَ من أتم الأشكال وأحسنها استدارة وأحكمها صنعا فَإِذا انْضَمَّ بَعْضهَا إلى بعض لم يكن بَينهَا فُرْجَة وَلَا خلل كل هَذَا بِغَيْر مقياس وَلَا آله وَلَا بيكار وَتلك من أثر صنع الله وإلهامه إِيَّاهَا وايحائه إليها كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا} إلى قَوْله {لآيَات لقوم يتفكرون}
فَتَأمل كَمَال طاعتها وَحسن ائتمارها لأمر رَبهَا اتَّخذت بيوتها فِي هَذِه الأمكنة الثَّلَاثَة فِي الْجبَال الشقفان، وَفِي الشّجر، وَفِي بيُوت النَّاس حَيْثُ يعرشون أَي بيبنون العروش وَهِي الْبيُوت فَلَا يرى للنحل بَيت غير هَذِه الثَّلَاثَة ألْبَتَّةَ.
وتأمل كَيفَ أكثر بيوتها فِي الْجبَال والشقفان وَهُوَ الْبَيْت الْمُقدم فِي الآية ثمَّ فِي الأشجار وَهِي من أكثر بيوتها وَمِمَّا يعرش النَّاس واقل بيوتها بَينهم حَيْثُ يعرشون، وَأما فِي الْجبَال وَالشَّجر فبيوت عَظِيمَة يُؤْخَذ مِنْهَا من الْعَسَل الْكثير جدا.
وتأمل كَيفَ أداها حسن الِامْتِثَال إلى أن اتَّخذت الْبيُوت أولا، فَإِذا اسْتَقر لَهَا بَيت خرجت مِنْهُ فرعت وأكلت من الثِّمَار ثمَّ آوت إلى بيوتها لأن رَبهَا سُبْحَانَهُ أمرها باتخاذ الْبيُوت أولا ثمَّ بالأكل بعد ذَلِك ثمَّ إِذا اكلت سلكت سبل رَبهَا مذللة لَا يستوعز عَلَيْهَا شَيْء ترعى ثمَّ تعود وَمن عَجِيب شَأْنهَا أَن لَهَا أميرا يُسمى اليعسوب لَا يتم لَهَا رواح وَلَا إياب وَلَا عمل وَلَا مرعى إِلَّا بِهِ فَهِيَ مؤتمره لأمره سامعة لَهُ مطيعه وَله عَلَيْهَا تَكْلِيف وَأمر وَنهى وَهِي رعية لَهُ منقادة لأمره متبعة لرايه يدبرها كَمَا يدبر الْملك امْر رَعيته حَتَّى إِنَّهَا إِذا آوت إلا بيوتها وقف على بَاب الْبَيْت فَلَا يدع وَاحِدَة تزاحم الأخرى وَلَا تتقدم عَلَيْهَا فِي العبور بل تعبر بيوتها وَاحِدَة بعد وَاحِدَة بِغَيْر تزاحم وَلَا تصادم وَلَا تراكم