ومن هنا كان التوفّي نعمة من نِعَم الله علينا ، ولكي تتأكد من هذه الحقيقة انظر إلى مَنْ أمدّ الله في أعمارهم حتى بلغوا ما سماه القرآن"أرذل العمر"وما يعانونه من ضعف وما يعانيه ذووهم في خدمتهم حتى يتمنى له الوفاة أقرب الناس إليه .
الوفاة إذن نعمة ، خاصة عند المؤمن الذي قدّم صالحاً يرجو جزاءه من الله ، فتراه مُسْتبشراً بالموت ؛ لأنه عمَّر آخرته فهو يُحب القدوم عليها ، على عكس المسرف على نفسه الذي لم يُعِدّ العُدّة لهذا اليوم ، فتراه خائفاً جَزِعاً لعلمه بما هو قادم عليه .
و (ثُمَّ) حَرْف للعطف يفيد الترتيب مع التراخي . . أي: مرور وقت بين الحدثين . . فهو سبحانه خلقكم ، ثم بعد وقت وتراخٍ يحدث الحدَث الثاني (يتوفّاكم) . على خلاف حرف (الفاء) ، فهو حرف عطف يفيد الترتيب مع التعقيب أي: تتابع الحدثين ، كما في قوله تعالى: {أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21] .
فبعد الموت يكون الإقبار دون تأخير .
وقوله تعالى: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر ...} [النحل: 70] .
وأرذل العمر: أردؤه وأقلّه وأخسُّه ؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى أخرج الإنسان من بطن أمه لا يعلم شيئاً ، فقال: {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة ...} [النحل: 78] .
وهذه هي وسائل العلم في الإنسان ، فإذا رُدَّ إلى أرذل العمر فقدتْ هذه الحواسّ قدرتها ، وضَعُفَ عملها ، وعاد الإنسان كما بدأ لا يعلم شيئاً بعد ما أصابه من الخَرف والهرم ، فقد توقفتْ آلات المعرفة ، وبدأ الإنسان ينسى ، وتضعف ذاكرته عن استرجاع ما كان يعلمه .
وقوله: {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً . .} [النحل: 70] .
لذلك يُسمُّون هذه الحواس الوارث .
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:
{إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [النحل: 70] .