ويدل على هذا أن العسل نكرة في سياق الإثبات فلا يكون عاماً ، وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلاّ على أن فيه شفاءً عظيماً لمرض أو أمراض ، لا لكل مرض ، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم ، والظاهر المستفاد من التجربة ومن قوانين علم الطب ، أنه إذا استعمل منفرداً ، كان دواء لأمراض خاصة وإن خلط مع غيره كالمعاجين ونحوها ، كان مع ما خلط به دواء لكثير من الأمراض.
وبالجملة فهو من أعظم الأغذية وأنفع الأدوية ، وقليلاً ما يجتمع هذان الأمران في غيره {إِنَّ فِى ذَلِكَ} المذكور من أمر النحل {لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: يعملون أفكارهم عند النظر في صنع الله سبحانه وعجائب مخلوقاته.
فإن أمر النحل من أعجبها وأغربها وأدقها وأحكمها.
وقد أخرج عبد الرزاق ، والفريابي ، وسعيد بن منصور ، وأبو داود في ناسخه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والنحاس ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في سننه ، وابن مردويه عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} قال: السكر ما حرم من ثمرتهما ، والرزق الحسن ما حلّ.
وأخرج الفريابي ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عنه قال: السكر: الحرام ، والرزق الحسن: زبيبه وخله وعنبه ومنافعه.
وأخرج أبو داود في ناسخه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: السكر: النبيذ ، والرزق الحسن: الزبيب.
فنسختها هذه الآية {إِنَّمَا الخمر والميسر} [المائدة: 90] .
وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي عنه أيضاً في الآية قال: فحرّم الله بعد ذلك السكر منع تحريم الخمر لأنه منه ، ثم قال: {وَرِزْقًا حَسَنًا} فهو الحلال من الخلّ والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك ، فأقرّه الله وجعله حلالاً للمسلمين.
وأخرج الفريابي ، وابن أبي شيبة ، وابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه سئل عن السكر ، فقال: الخمر بعينها.