والحق، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية الله تعالى ونفاذ قدرته، وعجيب صنعته، حيث استخرج - سبحانه - من بين فرث ودم في بطون الأنعام، لبنا خالصا سائغا للشاربين.
وهذا الاستخراج قد تكلم العلماء المتخصصون عن كيفيته وعن مراحله .. كلاما يقوى إيمان المؤمنين، ويدفع باطل الملحدين.
هذا، وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن اللبن نعمة جزيلة من نعم الله - تعالى - على خلقه.
قال القرطبي ما ملخصه: «روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب، ثم قال: «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل، اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا
خيرا منه، وإذا سقى لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزئ عن الطعام والشراب إلا اللبن».
ثم قال الإمام القرطبي: قال علماؤنا: فكيف لا يكون كذلك، وهو أول ما يغتذى به الإنسان، وتنمو به الأبدان، فهو قوت به قوام الأجسام، وقد جعله الله - تعالى - علامة لجبريل على هداية هذه الأمة، ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن. فقال لي جبريل: اخترت الفطرة ... » .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله التي لا تحصى، وهي نعمة ثمرات النخيل والأعناب، فقال - تعالى -: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ....
قال الجمل ما ملخصه: قوله - سبحانه -: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ .. خبر مقدم، ومن تبعيضية، والمبتدأ محذوف تقديره ثمر، وقوله تَتَّخِذُونَ نعت لهذا المبتدأ المحذوف، أي: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا.
ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف، والتقدير: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أي: من عصيرهما، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه، وقوله تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً بيان وكشف عن كيفية الإسقاء.
والضمير في قوله مِنْهُ يعود على المضاف المحذوف الذي هو العصير، أو على المبتدأ المحذوف وهو الثمر.