والرهبة: الخوف المصحوب بالتحرز، وفعله رهب بزنة طرب.
والمعنى: إن رهبتم شيئا فإياى فارهبوا دون غيرى، لأنى أنا الذي لا يعجزنى شيء.
وفي الجملة الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب، للمبالغة في التخويف، إذ تخويف الحاضر أبلغ من تخويف الغائب، لا سيما بعد أن وصف - سبحانه - ذاته بما وصف من صفات القهر والغلبة والكبرياء.
وقدم المفعول وهو إياى لإفادة الحصر، وحذف متعلق الرهبة، للعموم.
أي: ارهبونى في جميع ما تأتون وما تذرون.
والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد اشتملت على ألوان من المؤكدات للنهى عن الشرك، والأمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، تارة عن طريق التقرير «وقال الله .. » وتارة عن طريق النهي الصريح، وتارة عن طريق القصر وتارة عن طريق التخصيص.
وذلك لكي يقلع الناس عن هذه الرذيلة النكراء، ويؤمنوا بالله الواحد القهار.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته، ونفاذ إرادته، فقال - تعالى -: وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَلَهُ الدِّينُ واصِباً ...
والمراد بالدين هنا: الطاعة والخضوع بامتثال أمره واجتناب نهيه، وقد أتى الدين بمعنى الطاعة في كثير من كلام العرب، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم في معلقته:
وأياما لنا غرا كراما ... عصينا الملك فيها أن ندينا
أي: عصيناه وامتنعنا عن طاعته وعن الخضوع له.
قوله «واصبا» من الوصوب بمعنى الدوام والثبات، يقال: وصب الشيء يصب - بكسر الصاد - وصوبا، إذا دام وثبت. ومنه قوله - تعالى - دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ أي: دائم.
أي: ولله - تعالى - وحده ما في السماوات وما في الأرض ملكا وخلقا، لا شريك له في ذلك، ولا منازع له في أمره أو نهيه .. وله - أيضا - الطاعة الدائمة، والخضوع الباقي الثابت الذي لا يحول ولا يزول.
والآية الكريمة معطوفة على قوله «إنما هو إله واحد» .
والاستفهام في قوله «أفغير الله تتقون» للإنكار والتعجيب، والفاء للتعقيب، وهي معطوفة على محذوف، والتقدير، أفبعد أن علمتم أن الله - تعالى - له ما في السماوات والأرض، وله الطاعة الدائمة .. تتقون غيره، أو ترهبون سواه؟