فاللبن من نِعَم الله الدالة على قدرته سبحانه ، وفي إخراجه من بين فَرْث ودم عبرة وعِظَة ، وكأن الحق سبحانه يعطينا هذه العبرة لينقلنا من المعنى الحسيِّ الذي نشاهده إلى المعنى القيميّ في المنهج ، فالذي صنع لنا هذه العبرة لإصلاح قالبنا قادرٌ على أن يصنعَ لنا من المنهج ما يُصلِح قلوبنا .
ثم يقول الحق سبحانه:
{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا}
ثمرات النخيل هي: البلح . والأعناب هو: العنب الذي نُسمّيه الكَرْم . والتعبير القرآني هنا وإن امتنَّ على عباده بالرزق الحسن ، فإنه لا يمتنّ عليهم بأن يتخذوا من الأعناب سكراً: أي مُسْكِراً ، ولكن يعطينا الحق سبحانه هنا عبرةً فقد نزلتْ هذه الآيات قبل تحريم الخمر .
وكأن الآية تحمل مُقدّمة لتحريم الخمر الذي يستحسنونه الآن ويمتدحونه ؛ ولذلك يقول العلماء: إن الذي يقرأ هذه الآية بفِطنة المستقْبِل عن الله يعلم أن لله حُكْماً في السَّكر سيأتي .
كيف توصَّلوا إلى أن لله تعالى حُكْماً سيأتي في السَّكر؟
قالوا: لأنه قال في وصف الرزق بأنه حسن ، في حين لم يَصِفْ السَّكر بأنه حسن ، فمعنى ذلك أنه ليس حسناً ؛ ذلك لأننا نأكل ثمرات النخيل (البلح) كما هو ، وكذلك نأكل العنب مباشرة دون تدخُّل مِنّا فيما خلق الله لنا .
أما أنْ نُغيّر من طبيعته حتى يصير خمراً مُسْكراً ، فهذا إفساد في الطبيعة التي اختارها الله لنا لتكون رزقاً حَسناً .
وكأنه سبحانه يُنبّه عباده ، أنَا لا أمتنُّ عليكم بما حرَّمْتُ ، فأنا لم أُحرِّمه بَعْد ، فاجعلوا هذا السَّكر كما ترونه متعةً لكم ، ولكن خذوا منه عبرة أَنِّي لم أَصِفْه بالحُسْن ؛ لأنه إنْ لم يكُنْ حَسَناً فهو قبيح ، فإذا ما جاء التحريم فقد نبهتكم من بداية الأمر .
ثم يقول تعالى:
{إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 67] .