أما الرحمة ، فقد وصف الحق تبارك وتعالى القرآن بأنه رحمة فقال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ...} [الإسراء: 82] . فكيف يكون القرآن شفاءً؟ وكيف يكون رحمة؟
الشفاء: إذا أصابنا داء ربنا سبحانه وتعالى يقول: طيّبوا داءكم وداووا أمراضكم بكذا وكذا ، ورُدُّوا الحكم إلى الله . . هذا شفاء .
أما الرحمة: فهي أن يمنع أن يأتي الداء مرة أخرى ، فتكون وقاية تقتلع الداء من أصله فلا يعود .
ومِثْل هذا يحدث في عالم الطب ، فقد تذهب إلى طبيب لِيُعالجك من داء معين . . بثور في الجلد مثلاً ، فلا يهتم إلا بما يراه ظاهراً ، ويصف لك ما يداوي هذه البثور . . ثم بعد ذلك تُعاودك مرة أخرى .
أما الطبيب الحاذق الماهر فلا ينظر إلى الظاهر فقط ، بل يبحث عن سببه في الباطن ، ويحاول أن يقتلع أسباب المرض من جذورها ، فلا تُعاودك مرة أخرى .
ولذلك ، لو نظرنا إلى قصة أيوب عليه السلام وما ابتلاه الله به نرى فيها مثالاً رائعاً لعلاج الظاهر والباطن معاً ، فقد ابتلاه ربُّه ببلاء ظهر أثره على جسمه واضحاً ، ولما أذن له سبحانه بالشفاء قال له:
{اركض بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42] .
(مُغْتَسَلٌ) : أي . يغسل ويُزيل ما عندك من آثار هذا البلاء .
(وَشَرَابٌ) : أي . شراب يشفيك من أسباب هذا البلاء فلا يعود .
وكذلك الحال في علاج المجتمع ، فقد جاء القرآن الكريم وفي العَالَم فساد كبير ، وداءاتٌ متعددة ، لا بُدَّ لها من منهج لشفاء هذه الداءاتِ ، ثم نعطيها مناعاتٍ تمنع عودة هذه الداءات مرة أخرى .
وقوله تعالى:
{لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64] .
أي: أن هذا القرآن فيه هدى ورحمة لمَنْ آمن بك وبرسالتك ؛ لأن الطبيب الذي ضربناه مثلاً هنا لا يعالج كل مريض ، بل يعالج مَنْ وثق به ، وذهب إليه وعرض عليه نفسه ففحصه الطبيب وعرف عِلّته .