اعلم - أن التحقيق على مذهب الجمهور: أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله جل وعلا: {وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب} [النحل: 67] منسوخة بآية المائدة المذكورة. فما جزم به صاحب مراقي السعود فيه وفي شرحه (نشر البنود) من أن تحريم الخمر ليس نسخاً لإباحتها الأولى بناء على أن إباحتها الأولى إباحة عقلية ، والإباحة العقلية هي البراءة الأصلية ، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي ، وهي ليست من الأحكام الشرعية. فرفعها ليس بنسخ. وقد بين في المراقي: أها ليست من الأحكام الشرعية بقوله: -
وما من البراءة الأصلية... قد أخذت فليست الشرعية
وقال أيضاً في اباحة الخمر قبل التحريم: -
أباحها في أول الإسلام... براءة ليست من الأحكام
كل ذلك ليس بظاهر ، بل غير صحيح. لأن إباحة الخمر قبل الترحيم دلت عليها هذه الآية الكريمة ، التي هي قوله: {وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} .
الآية ، وما دلت على إباحته آية من كتاب الله لا يصح أن يقال: إن إباحته عقلية ، بل هي إباحة شرعية منصوصة في كتاب الله ، فرفعها نسخ. نعم! على القول بأن معنى السكر في الآية: الخل أو الطعم أو العصير. فتحريم الخمر ليس نسخاً فباحتها ، وإباحتها الأولى عقلية. وقد بينا هذا المبحث في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) .
فإن قيل: الآية واردة بصيغة الخبر ، والأخبار لا يدخلها النسخ كما تقرر في الأصول:
فالجواب - أن النسخ وارد على ما يفهم من الآية من إباحة الخمر ، والإباحة حكم شرعي كسائر الأحكام قابل للنسخ. فليس النسخ وارداً على نفس الخبر ، بل على الإباحة المفهومة من الخبر. كما حققه ابن العربي المالكي وغيره.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَرِزْقاً حَسَناً} أي التمر والرطب والعنب والزبيب ، والعصير ونحو ذلك.
تنبيه آخر