وهذا اختيار الطبري أن السّكَر ما يُطعم من الطعام وحَلّ شربه من ثمار النخيل والأعناب ، وهو الرزق الحسن ، فاللفظ مختلف والمعنى واحد ؛ مثل {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله} [يوسف: 86] وهذا حسن ولا نسخ ، إلا أن الزجاج قال: قول أبي عبيدة هذا لا يعرف ، وأهل التفسير على خلافه ، ولا حجة له في البيت الذي أنشده ؛ لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس.
وقال الحنفيون: المراد بقوله:"سَكَراً"ما لا يُسكر من الأنبذة ؛ والدليل عليه أن الله سبحانه وتعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ، ولا يقع الامتنان إلا بمحلَّل لا بمحرَّم ، فيكون ذلك دليلاً على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز ، وعَضَدوا هذا من السنة بما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حرم الله الخمر بعينها والسّكر من غيرها"وبما رواه عبد الملك بن نافع"عن ابن عمر قال: رأيت رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الركْن ، ودفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديداً فردّه إلى صاحبه ، فقال له حينئذ رجل من القوم: يا رسول الله ، أحرام هو؟ فقال:"عليّ بالرجل"فأتِي به فأخذ منه القدح ، ثم دعا بماء فصبه فيه ثم رفعه إلى فيه فقطّب ، ثم دعا بماء أيضاً فصبّه فيه ثم قال: إذا اغتلمت عليكم هذه الأوعية فاكسروا متُونها بالماء"وروي: أنه عليه السلام كان يُنْبَذ له فيشربه ذلك اليوم ، فإذا كان من اليوم الثاني أو الثالث سقاه الخادمَ إذا تغيّر ، ولو كان حراماً ما سقاه إياه.
قال الطحاوي: وقد روى أبو عَون الثَّقَفي عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها القليل منها والكثير والسّكر من كل شراب ؛ خرجه الدارقطنيّ أيضاً.
ففي هذا الحديث وما كان مثله ، أن غير الخمر لم تحرم عينه كما حرمت الخمر بعينها.