قَالَ الْقَاضِي: قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ أُصُولِ الْفِقْهِ صِفَةَ الْمُجْتَهِدِ الْمُفْتِي فِي الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنْبِطِ لَهَا مِنْ الْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ ، وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ مَوْجُودَةً فِي هَذَا الْقَائِلِ مَا نَطَقَ بِمِثْلِ هَذَا ، فَإِنَّ اللَّبَنَ جَاءَ الْخَبَرُ عَنْهُ مَجِيءَ النِّعْمَةِ وَالْمِنَّةِ الصَّادِرَةِ عَنْ الْقُدْرَةِ ، لِيَكُونَ عِبْرَةً ؛ فَاقْتَضَى ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُ وَصْفَ الْخُلُوصِ وَاللَّذَّةِ وَالطَّهَارَةِ ، وَأَيْنَ الْمَنِيُّ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى يَكُونَ مُلْحَقًا بِهِ أَوْ مَقِيسًا عَلَيْهِ ؛ إنَّ هَذَا لَجَهْلٌ عَظِيمٌ.
قَوْله تَعَالَى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ قَوْمٌ: الْمَعْنَى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ مَا تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ، وَدَلَّ عَلَى حَذْفِهِ قَوْلُهُ: {مِنْهُ} فَلِذَلِكَ سَاغَ حَذْفُهُ ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {سَكَرًا} : فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَغَيْرُهُمَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ خُمُورُ الْأَعَاجِمِ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَيَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ الْخَلُّ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ أَيْضًا.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ الطَّعْمُ الَّذِي يُعْرَفُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ.