وقوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} قال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة، {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} ، أي: (ترفعون أصواتكم بالاستغاثة، وهو معنى قول المفسرين: يتضرعون بالدعاء، يقال: جأر ويجأر) جُؤارًا، وهو الصوت الشديد؛ كصوت البقرة، قال الأعشى يصف بقرة:
وكان النَّكيرُ أَنْ تُضيفَ وتَجْأرَا
فهذا ذهب جُؤَار البقرة، وقال عدي بن زيد في جُؤَار الإنسان:
إنَّني والله فاقْبَلْ حَلْفَتِي ... بأَبِيل كلما صَلَّى جَأَرْ
(أي رئيس النصارى) .
54 -قوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ} الآية. قال ابن عباس في قوله: {إِذَا فَرِيقٌ} يريد أهل النفاق، وقال الكلبي: يعني الكفار،
وهو اختيار الزجاج؛ قال: هذا خاص فيمن كفر، وقابل كشف الضّر عنه بالجحود والكفر.
55 -قوله تعالى: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ} ، أي: ليجحدوا نعمة الله في كشف الضرّ عنهم، واللام هاهنا يحتمل أن تكون لام كي، ويكون المعنى: أنهم أشركوا بالله غيره ليجحدوا نعمته، فاللام بيان عما هو بمنزلة العلة التي يقع لأجلها الشرك، وهؤلاء أشركوا بالعبادة ليكفروا النعمة، ويحتمل أن تكون اللام للعاقبة، ويكون المعنى: أنهم جعلوا ما رزقناهم وأنعمنا به عليهم سببًا إلى الكفر، كما قلنا في قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ} إلى قوله: {لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} [يونس: 88] ، وقد مر، وذكر أبو إسحاق الوجهين أيضًا في اللام هاهنا.
وقوله تعالى: {فَتَمَتَّعُوا} لفظ أمر لتهدد؛ كقوله: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا} [الإسراء: 107] ، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} : عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب.