قوله: {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} قرأ نافع بكسرِ الراءِ اسمَ فاعلٍ مِنْ أَفْرَطَ إذا تجاوَزَ ، فالمعنى: أنهم يتجاوزون الحَدَّ في معاصي الله تعالى . فأفْعَلَ هنا قاصرٌ . والباقون بفتحها اسمَ مفعولٍ مِنْ أَفْرَطْتُه ، وفيه معنيان ، أحدُهما: أنَّه مِنْ أَفْرطته خلفي ، أي: تركتُه ونَسِيْتُه ، حكى الفراء أنَّ العرب تقول: أَفْرِطْتُ منهم ناساً ، أي: خَلَّفْتُهم ، والمعنى: أنهم مَنْسِيًّون متروكون في النار . والثاني: أنه مِنْ أَفْرَطْتُه ، أي: قَدَّمْتُه إلى كذا ، وهو منقولٌ بالهمزة مِنْ فَرَط إلى كذا ، أي: تقدَّم إليه ، كذا قال الشيخ ، وأنشد للقطامي:
2989 - واسْتَعْجَلُونْا وكانوا مِنْ صحابَتِنا ... كما تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ
فَجَعَلَ"فَرَط"قاصراً و"أفرط"منقولاً . وقال الزمخشري:"بمعنى يتقدَّمون إلى النار ، ويتعجَّلون إليها ، مِنْ أَفْرَطْتُ فلاناً وفَرَطْتُه إذا قدَّمته إلى الماء"، فجعل فَعَل وأفْعَل بمعنى ، لا أن أَفْعل منقولٌ مِنْ فَعَل ، والقولان محتملان ، ومنه"الفَرَطُ"، أي: المتقدم . قال عليه السلام:"أنا فَرَطُكم على الحوض"، أي: سابِقُكم . ومنه"واجعله فَرَطاً وذُخْراً"، أي: متقدِّماً بالشفاعةِ وتثقيلِ الموازين .
وقرأ أبو جعفر - في روايةٍ -"مُفَرِّطون"بتشديدِ الراءِ مكسورةً مِنْ فَرَّط في كذا: أي: قَصَّر ، وفي روايةٍ ، مفتوحةً ، مِنْ فَرَّطته مُعَدَّى بالتضعيفِ مِنْ فَرَط بالتخفيف ، أي: تَقَدَّم وسَبَقَ .
وقرأ عيسى بن عمر والحسن"لا جَرَمَ إنَّ لهم النارَ وإنهم"بكسرِ"إنَّ فيهما على أنَّها جوابُ قسمٍ أَغْنَتْ عنه"لا جَرَمَ"."
{تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) }