أي: تضْرَعون بصراخ وصوت عالٍ كخُوار البقر ، لا يُسرّهِ أحد ولا يستحي منه أنْ يُفتضح أمره أمام مَنْ تكبّر عليهم . . ويا ليتكم حين ينتابكم مثل ذلك تعتبرون به وتتعِظُون ، وتقولون في لحظة من اللحظات: سوف تلجئنا الأحداث إلى ربنا . . بل بالعكس حينما نكشف عنكم الضر سوف تعودون إلى ما كنتم عليه .
ثم يقول الحق سبحانه:
{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر ... .} .
فمن الناس مَنْ إذا أصابه الله بضُرٍّ أو نزل به بأْسٌ تضرّع وصرخ ولجأ إلى الله ودعاه ، وربما سالتْ دموعه ، وأخذ يُصلّي ويقول: يا فلان ادْعُ لي الله وكذا وكذا . . فإذا ما كشف الله عنه ضُرَّه عاود الكَرّة من جديد ؛ لذلك يقول تعالى في آية أخرى: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ ...} [يونس: 12] .
ومن لُطْف الأداء القرآني هنا أن يقول:
{إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 54] .
أي: جماعة منكم وليس كلكم ، أما الباقي فيمكن أنْ يثبتُوا على الحق ، ويعتبروا بما نزل بهم فلا يعودون . . فالناس إذن مختلفون في هذه القضية: فواحد يتضرّع ويلتفت إلى الله من ضُرٍّ واحد أصابه ، وآخر يلتفت إلى الله من ضُرّيْن ، وهكذا .
وقد وجدنا في الأحداث التي مرَّتْ ببلادنا على أكابر القوم أحداثاً عظاماً تلفتهم إلى الله ، فرأينا مَنْ لا يعرف طريق المسجد يُصلّي ، ومَنْ لا يفكر في حج بيت الله ، ويسرع إليه ويطوف به ويبكى هناك عند الملتزم ، وما ألجأهم إلى الله ولفتهم إليه سبحانه إلا ما مرَّت بهم من أحداث .
أليست هذه الأحداث ، وهذه الأزمات والمصائب خيراً في حقهم؟ . . بلى إنها خير .