أي: فاسألوا يا قريش أهل الذكر: يعني الذين قرؤوا التوراة والإنجيل. قال
الأعمش: هم من آمن من أهل التوراة والإنجيل. أي فاسألوهم فيخبرونكم أن الرسل التي تقدمت إلى الأمم أنهم كانوا رجالاً من بني آدم. وقال ابن عباس: فاسألوهم هل ذكر محمد [صلى الله عليه وسلم] في التوراة والإنجيل. يعني: سألوا من آمن من قبلهم عن ذلك.
وقال ابن زيد: أهل الذكر أهل القرآن. يعني: من آمن بمحمد [صلى الله عليه وسلم] وبما جاء به. وقال أبو إسحاق: معناه: فاسألوا كل من يذكر بعلم، وافق هذه الملة أو خالفها.
قال ابن عباس: لما بعث الله محمداً عليه السلام رسولاً، أنكرت العرب ذلك. وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً. فأنزل الله [عز وجل] {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ} [يونس: 2] الآية، وأنزل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} .
ثم قال [تعالى] {بالبينات والزبر} .
أي: بالدلالة الواضحة، والزبر الكتب. جمع زبور. مأخوذ من زبرت الكتاب إذا كتبته.
الباء من {بالبينات} متعلقة بفعل مضمر. التقدير: أرسلناهم بالبينات ودل"أرسلنا"الأول على هذا المحذوف.
وقال قوم: الباء متعلقة بأرسلنا المذكور. وأجازوا تقدم الإيجاب على أن تكون"إلا"بمعنى:"غير". فأجازوا: ما ضرب إلا أخوك عمراً، وما كلم إلا أبوك بكراً، على معنى:"غير"، وعلى ذلك أنشدوا:
ابني لُبَيْنَى لَسْتُم بيد ... إلا يد ليست لها عضد
أنشدوه بخفض يد بعد"إلا"على مهنى"غير يد". ولا يحسن أن تكون"إلا"هنا بغير معنى:"غير"لأنه يفسد الكلام، إذ الذي خفض اليد قبل"إلا"لا يمكن إعادته بعد"إلا"، ومنه قول الله [عز وجل] : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله [لَفَسَدَتَا] } [الأنبياء: 22] أي: غير الله.