حتى إن الرجل وهو في سكرات الموت إذا كان له غائب عزيز وقيل له ها هو جاء يفتح عينيه وتبدو عليه ملامح السرور ، حتى إنه إذا جيء له بشيء من ملابسه يضمه ويشمه وقال لإخوته أيضا"وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ 93"لينعموا بآثار ملكي كما اغتموا بأخبار هلكي ، فأخذوه فرحين مسرورين قاصدين تبشير أبيهم به كما كدروه قبلا بفقده تكفيرا لما وقع منهم عنده ، قال تعالى"وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ"عن أرض مصر وتوجهت لأرض كنعان"قالَ أَبُوهُمْ"لأحفاده ومن عنده من أهله"إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ 94"تنسبوني إلى الخرف والهرم وقلة العقل والجهل ، وأصل التفنيد ضعف الرأي فقال أفند الرجل إذا خرف وفند إذا جهل ، قال الأصمعي: إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو التفنيد ، أي لو لا تنسبوني لذلك لصدقتموني ، قالوا إن الريح استأذنت ربها بإيصاله ريح يوسف إلى يعقوب على مدة ثمانين فرسخا ولا يبعد على اللّه تعالى إيجاد ريح القميص بحاسة يعقوب عليه السلام ، أو أنه أمر ريح الصبا بنقل ريحه إليه حين أعطاه يوسف لإخوته ، وما ذلك على اللّه بعزيز ، قال أهل المعاني إن اللّه تعالى أوصل ريح يوسف عند انقضاء المحنة وحلول وقت السرور من محله إليه بلحظة واحدة ومنع دخول هذا إليه مدة أربعين سنة من نفس المحل ، ليعلم خلقه أن كل سهل زمن الإدبار صعب ، وكل صعب زمن الإقبال سهل ثم انهم لم يلقوا بالا لكلامه وأكدوا له ما ظنه فيهم إذ"قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ 95"الذي كنت عليه ولا تزال تلهج به من ذكر يوسف ،
ولما سمع ما أجابوه به سكت واستحضر للبشارة مما ذكره ، والضلال الذهاب عن طريق الصواب.