قال تعالى (وَكَذلِكَ) كما أنعمنا على يوسف بما تقدم ذكره من
تخليصه من إخوته ومن البئر ومن امرأة العزيز ومن السجن"مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ"أقدرناه على أهلها وثبتنا قدمه وجعلناها راسخة في أرض مصر"يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ"لا ينازعه فيها منازع ، ولا يعارضه فيها معارض ، له الأمر والنهي فيها من بعد اللّه تعالى وقد أكرمناه بذلك إكراما من لدّنا وقرئ نشاء بالنون لمجانسته قوله تعالى"نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا"عطائنا الواسع في الدنيا من الغنى والملك والنبوة"مَنْ نَشاءُ"من عبادنا المخلصين لنا النّافعين لعبادنا"وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ"56 منهم فيها لأن الإضاعة تكون للعجز أو الجهل أو البخل ، والكل محال عليه تعالى ، فامتنعت الإضاعة وحل الإحسان ، وهو يعم أمورا كثيرة وحقيقة الشاهد والعيان ، قال صلّى اللّه عليه وسلم في حديث جبريل الذي رواه مسلم عن عمر رضي اللّه عنه ، قال أخبرني عن الإحسان ، قال أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وهذه الرؤية ليست برؤية عيانية بل حالة تحصل عند الرسوخ في كمال الإعراض عما سوى اللّه ، وتمام توجهه إلى حضرته المقدسة بحيث لا يكون لسانه وقلبه وهمه غير اللّه تعالى ، وسميت هذه الحالة مشاهدة لمشاهدة البصيرة إياه تعالى كما أشار إليها بعض العارفين بقوله:
خيالك في عيني وذكرك في فمي وحبك في قلبي فإين تغيب
وقال الكندي:
وفي أربع مني حلت منك أربع فما أنا أدري أيها هاج لي كربي
خيالك في عيني أم الذكر في فمي أم النطق في سمعي أم الحب في قلبي