فالكتاب لم يقصد فيه مؤلفه أن يعرض لشرح كتاب الله آية آية، بل كان كل همه - كما نأخذ من عبارته السابقة، وكما يظهر لنا من مسلكه فِي الكتاب نفسه - موجهاً إلى الفصل بين مُحكم الكتاب ومتشابهه، وإلى بيان معاني هذه الآيات المتشابهة، ثم إلى بيان خطأ فريق من الناس، فِي تأويلها، وهو يقصد بهذا الفريق - فِي الغالب - جماعة أهل السُّنَّة الذين لا يرون رأيه فِي القرآن، ولا ينظرون إليه نظرته الاعتزالية.
نقرأ هذا الكتاب، فنجد أن مؤلفه قد ابتدأه بسورة الفاتحة، واختتمه بسورة الناس، ولكنه لا يستقصى جميع السورة، ولا يعرض لكل آياتها بالشرح كما قلنا، بل نجده يبنى كتابه على مسائل، كل مسألة تتضمن إشكالاً وجواباً، وهذا الإشكال تارة يرد على ظاهر النظم الكريم من ناحية الصناعة العربية، وتارة يرد عليه من ناحية أنه لا يتفق مع عقيدته الاعتزالية.
* بعض مواقفه من مشكلات الصناعة العربية:
أما المسائل التي أوردها مشتملة على مشكلات الصناعة العربية وأجوبتها، فهو لا تخرج عما عرض له عامة المفسِّرين فِي تفاسيرهم، وهذا الجانب يشمل جزءاً غير قليل من الكتاب، وإليك بعض هذه المسائل:
فمثلاً فِي سورة الحمد يقول فِي (ص 4، 5) ما نصه:"مسألة - قالوا: الحمد لله: خبر، فإن كان حمد نفسه فلا فائدة لنا فيه. وإن أمرنا بذلك، فكان يجب أن يقول: قولوا الحمد لله. وجوابنا عن ذلك: أن المراد به الأمر بالشكر والتعليم لكى نشكره، لكنه وإن حذف الأمر فقد دل عليه بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .. لأنه لا يليق بالله تعالى، وإنما يليق بالعباد، فإذا كان معناه قولوا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فكذلك قوله: {الْحَمْدُ للَّهِ} .. وهكذا كقوله: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم} .. ومثله كثير من القرآن".