وقال فريق منهم فِي قوله تعالى: {وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} : إنه أتخم من أكل الشجرة، فذهبوا إلى قول العرب: غَوِىَ الفصيل يَغْوى غَويّ، إذا أكثر من شرب اللبن حتى يبشم. وذلك غَوَى يَغْوِى غَيّاً، وهو من البشم: غَوِى يَغْوَى غَويّ.
وقال فريق منهم فِي قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} : أي ألقينا فيها، يذهب إلى قول الناس: ذرته الريح. ولا يجوز أن يكون ذرأنا من ذرته الريح، لأن ذرأنا مهموز، وذرته الريح تذروه غير مهموز. ولا يجوز أن نجعله من أذرته الدابة عن ظهرها أي ألقته، لأن ذلك من"ذرأت"تقدير فعلت بالهمز، وهذا من"أذريت"تقدير أفعلت بلا همز، واحتج بقول المثقب العبدى:
*تقول إذا ذرأت لها وضينى * أهذا دينه أبداً ودينى؟ *
وهذا تصحيف، لأنه قال: تقول إذا درأت، أي دفعت، بالدال غير معجمة. وقالوا فِي قوله عَزَّ وجلَّ: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} : إنه ذهب مغاضباً لقومه، استيحاشاً من أن يجعلوه مغاضباً لربه مع عصمة الله، فجعلوه مغاضباً لقومه حين آمنوا، ففروا إلى مثل ما استقبحوا، وكيف يجوز أن يغضب نبي الله صلى الله عليه وسلم على قومه حين آمنوا وبذلك بُعِثَ وبه أُمرِ؟ وما الفرق بينه وبين الله إن كان يغضب من إيمان مائة ألف أو يزيدون ولم يخرج مغاضباً لربه ولا لقومه؟ - وهذا مبين فِي كتابى المؤلف فِي مشكل القرآن، ولم يكن قصدى فِي هذا الكتاب الإخبار عن هذه الحروف وأشباهها، وإنما كان القصد به الإخبار عن جهلهم وجرأتهم على الله بصرف الكتاب إلى ما يستحسنون، وحمل التأويل على ما ينتحلون.
وقالوا فِي قوله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} : أي فقيراً إلى رحمته، وجعلوه من الخَلة بفتح الخاء، استيحاشاً أن يكون الله تعالى خليلاً لأحد من خلقه، واحتجوا بقول زهير: