ومن ذلك: أنه سبحانه نهى الصحابة أن قالوا للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
{رَاعِنَا} [البقرة: 104] .
مع قصدهم المعنى الصحيح ، وهو المراعاة ، لئلا يتخذ اليهود هذه اللفظة ذريعة إلى السب ، ولئلا يتشبهوا بهم ، ولئلا يخاطب بلفظ يحتمل معنى فاسدا.
ومن ذلك: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كره الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله ، وأحب لمن صلى إلى عمود أو عود أو شجرة ، أن يجعله على أحد حاجبيه ، ولا يصمد له صمداً سداً لذريعة التشبه بالسجود لغير الله تعالى.
ومن ذلك: أنه أمر المأمومين أن يصلواً جلوساً إذا صلى إمامهم جالساً ، سدا لذريعة التشبه بفارس والروم فِي قيامهم على ملوكهم وهم قعود.
ومن ذلك: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم منع الرجل من أخذ نظير حقه بصورة الخيانة ممن خانه وجحد حقه ، وإن كان إنما يأخذ حقه أو دونه ، فقال لمن سأله: عن ذلك:
"أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ُائْتَمَنَكَ ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ".
لأن ذلك ذريعة إلى إساءة الظن به ونسبته إلى الخيانة. ولا يمكنه أن يحتج عن نفسه ، ويقيم عذره ، مع أن ذلك أيضاً ذريعة إلى أن لا يقتصر على قدر الحق وصفته ، فإن النفوس لا تقتصر فِي الاستيفاء غالبا على قدر الحق.
ومن ذلك: أن سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع من يد المشترى سدا لذريعة المفسدة الناشئة من الشركة والمخالطة بحسب الإمكان. وقبل البيع ليس أحدهما أولى بانتزاع نصيب شريكه من الآخر. فإذا رغب عنه وعرضه للبيع كان شريكه أحق به لما فيه من إزالة الضرر عنه ، وعدم تضرره هو. فإنه يأخذه بالثمن الذي يأخذه به الأجنبي ، ولهذا كان الحق: أنه لا يحل الاحتيال لإسقاط الشفعة ، ولا تسقط بالاحتيال. فإن الاحتيال على إسقاطها يعود على الحكمة التي شرعت لها بالنقض والإبطال.