ومنها: أنّه قال هنا: {وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ} ، وفي سورة البقرة {فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} ، فجاء العطف هناك بالفاء؛ لأنّ بدء الأكل يكون عقب الدخول، كأكل الثمرات والفواكه التي تكون في كل ناحية من القرية، أما السكنى فأمر ممتد يكون الأكل في أثنائه لا عقبه.
كما وصف هناك الأكل بالرغد - وهو الواسع الهنئ - لأنّ الأكل في أول الدخول يكون ألذ، وبعد السكنى والإقامة لا يكون كذلك.
ومنها: أنّه قال هنا: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا} وقدم هنا ما أخر هناك، وأخر ما قدمه، والواو لا تدل على طلب ترتيب بين الأمرين، فالاختلاف في التعبير دال على عدم الفرق بين تقديم هذا وتأخير ذاك، وبين عكسه، إذ لا فارق بين أن يدعوا بقولهم: {حِطَّةٌ} ؛ أي: حط عنا أوزارنا وخطايانا الذي هو بمعنى قولنا: اللهم غفرانا، في حال التلبس بالتواضع والخضوع، وتنكيس الرؤوس شكرا لله على نعمه عند دخول القرية، وبين أن يبدؤوا بتنكيس الرؤوس والخضوع والتواضع، ثم يدعوا بقوله: {حِطَّةٌ} .
ومنها: أنّه قال هنا {سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} بدون واو وهناك {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} بالعطف، والمعنى واحد، وترك الواو أدل على أن الزيادة تفضل من الله سبحانه وتعالى ليست مشاركة للمغفرة فيما جعل سببا لها من الخضوع والسجود والاستغفار، والدعاء بحط الأوزار.
ومنها: أنّه قال ههنا: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} فزيد منهم على مثله في سورة البقرة.
ومعنى تبديلهم قولا غير الذي قيل لهم: أنهم عصوا بالقول والفعل، وخالفوا الأمر مخالفة تامة لا تحتمل اجتهادا ولا تأويلا، فلم يراعوا ظاهر مدلول اللفظ، ولا الفحوى والمقصود منه، حتى كأن المطلوب منه غير الذي قيل لهم.