والمعنى: أقصروا أنفسكم على ذلك المطعوم، ولا تطلبوا غيره، واشكروا رزق ربكم، وسئموا منه وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، وطلبوا غيره، فظلموا أنفسهم بكفران هذه النعم {وَما ظَلَمُونا} بكفرهم بهذه النعم {وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بمخالفة ما أمروا به؛ أي: بل ظلموا أنفسهم وأضروها بهذا الجحود والكفران، وكان ذلك من دأبهم وعادتهم آنا بعد آن.
ولا شك أن من ظلم نفسه .. كان لغيره أظلم، وإن كان ظلمه لنفسه مما يجهل أنّه ظلم لها، إذ يتجلى له في صورة المنفعة، وتكون عاقبته مضرة، وهكذا الحال في جميع الظالمين والمجرمين، فهم يظنون أنّهم بظلمهم وإجرامهم ينفعون أنفسهم، جهلا منهم للعواقب، وقلة تدبر ما ينبغي أن يتفطن له.
161 - {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} ؛ أي: واذكر يا محمد لهؤلاء اليهود المعاصرين لك، المنكرين عصيان أسلافهم ومعاندتهم لأمر الله تعالى قصة إذ قيل لهم؛ أي: لأسلافهم {اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ} ؛ أي: قرية الجبارين، قوم من بقية عاد - رئيسهم عوج بن عنق - أي: قصة إذ قال الله تعالى لهم على لسان موسى: إذا خرجتم من التيه .. أسكنوا بيت المقدس، أو قال لهم على لسان يوشع بعد خروجهم من التيه: اسكنوا أريحاء {وَكُلُوا مِنْها} ؛ أي: من ثمار القرية وزروعها وحبوبها وبقولها {حَيْثُ شِئْتُمْ} ؛ أي: من أي مكان شئتم من نواحيها، وفي أي وقت شئتم من غير أن يزاحمكم فيها أحد {وَقُولُوا} وقت دخولها: مسألتنا ومطلبنا منك يا إلهنا {حِطَّةٌ} ؛ أي: حط ذنوبنا وامحوها بعفوك عنا {وَادْخُلُوا الْبابَ} ؛ أي: باب القرية، وقيل: باب القبة التي كانوا يصلون إليها {سُجَّدًا} ؛ أي: حالة كونكم ساجدين سجود انحناء لا سجودا شرعيا بوضع الجبهة على الأرض، بل المراد اللغوي، وهو الانحناء بأن يكونوا على هيئة الراكعين، شكرا على إخراجهم من التيه {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ} وذنوبكم التي سلفت منكم، إن فعلتم ذلك المذكور الذي أمرتم به من القول والسجود.