ومن ألطف ما اتفق ما ذكره الزمخشري في"ربيع الأبرار"عن الجاحظ أنه قال: ما أخجلتني إلا امرأة حملتني إلى صائغ فقالت: مثل هذا، فبقيت مبهوتاً، فسألت الصائغ، فقال: هي امرأة استعملتني صورة شيطان، فقلت: لا أدري كيف أصوره، فأتت بك، فقالت: مثله.
وذلك أن الجاحظ كان قبيح الصورة، بشع المنظر، ناتئ العينين، ولذلك سمي الجاحظ، وقيل: من الرجز
لَوْ مُسِخَ الْخِنْزِيرُ مَسْخاً ثانِياً ... ما كانَ إِلا دُونَ قُبْحِ الْجاحِظِ
وقال ابن خلِّكان: كان الجاحظ قد أصابه الفالج، وكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته، والنصف الأيسر لو قرض بالمقاريض لما أحس به من خَدَرِه وشدة برده، وكان يقول: اصطلحت على جسدي الأضداد؛ إن أكلت حاراً أخذ برأسي، وإن أكلت بارداً أخذ برجلي، وبي حصاة لا ينسرح لي البول معها، انتهى.
قال الجاحظ وأتباعه: إن المعارف كلها ضرورية طباعاً.
وقالوا: الإرادة من الفاعل أن ينتفي السهو عنه، والإرادة المتعلقة بالعين ميل النفس إليه.
وقالوا: ليس للعباد كسب سوى الإرادة، وتحصل منهم أفعالهم طباعاً.
وقالوا: يوصف الباري بأنه مريد؛ أي: لا يصح عليه السهو في أفعاله، ولا الجهل.
وقالوا: الخلق كلهم من العقلاء عالمون بأن الله خالقهم، ثم الجاهل منهم بالتوحيد معذور.
وقالوا: إن الله لا يرى بالأبصار، ولا يريد المعاصي.
وقالوا: إن أهل النار لا يخلدون في النار عذاباً، بل يصيرون إلى طبيعة النار.
وقالوا: النار تجذب أهلها إليها دون أن يدخلهم الله فيها.
وقالوا: القرآن جسد يجوز أن ينقلب مرة رجلاً، ومرة حيواناً.
وكان الجاحظ مرة يفضل علياً، ومرة يؤخره، وغالب كلامه في كتبه يدل أنه كان مذبذباً بين الفرق، تارة يحتج لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، وربما رد على الأحاديث واستهزأ بها.
الفرقة العاشرة: الخياطية.
وهم الكعبية، أصحاب أبي الحسن بن أبي عمرو الخياط المعتزلي،
وتلميذه أبي القاسم بن محمد الكعبي.
قالوا: تسمية المعدوم شيئاً وجوهراً وعرضاً، وإن إرادة الله هي أنه غير مكره ولا كاره، وهي في أفعال نفسه الخلق، وفي أفعال غيره الأمر.
وقالوا: معنى كونه سميعاً بَصيراً: أنه عالم بمتعلقهما.