وكان أبو حنيفة رضي الله عنه ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه إلا ما شاء الله وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه دقيق النظر في وجوه التخريجات مقبلا على الفروع أتم إقبال وان شئت أن تعلم حقيقة ما قلناه فلخص أقوال إبراهيم من كتاب الآثار لمحمد رحمه الله وجامع عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ثم قايسه بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة وهو في تلك اليسيرة أيضا لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة
وكان أشهر أصحابه ذكرا أبو يوسف تولى قضاء القضاة أيام هارون الرشيد فكان سببا لظهور مذهبه والقضاء به في أقطار العراق وخراسان وما وراء النهر وكان أحسنهم تصنيفا وألزمهم درسا محمد بن الحسن فكان من خبره أنه تفقه على أبي حنيفة وأبي يوسف ثم خرج إلى المدينة فقرأ
الموطأ على مالك ثم رجع إلى بلده فطبق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة مسألة فان وافق منها وإلا فان رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك وإن وجد قياسا ضعيفا أو تخريجا لينا يخالفه حديث صحيح مما عمل به الفقهاء أو يخالفه عمل أكثر العلماء تركه إلى مذهب من مذاهب السلف مما يراه أرجح ما هناك وهما أي أبو يوسف ومحمد لا يزالان على محجة إبراهيم ما أمكن لهما كما كان أبو حنيفة رحمه الله يفعل ذلك وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين
إما أن يكون لشيخهما تخريج على مذهب إبراهيم يزاحمانه فيه أو يكون هناك لإبراهيم ونظرائه أقوال مختلفة يخالفان شيخهما في ترجيح بعضهما على بعض فصنف محمد رحمه الله وجمع رأي هؤلاء الثلاثة ونفع كثيرا من الناس فتوجه أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه إلى تلك التصانيف تلخيصا وتقريبا أو شرحا أو تخريجا أو تأسيسا أو استدلالا ثم تفرقوا إلى خراسان وما وراء النهر فسمي ذلك مذهب أبي حنيفة