وقد توهم قوم أن رب للتكثير حين خفي عليهم ما ذكرناه 14أ من تداخل المعاني وهذه غفلة شديدة لأنا نجد المدح يخرج مخرج الذم والذم يخرج مخرج المدح ولا يخرجهما ذلك عن موضوعهما الذي وضعا عليه في أصل وضعهما كما أن الاسم العلم الذي وضع في أصل وضعه للخصوص قد يعرض له العموم والنكرة التي وضعت في أصل وضعها للعموم قد يعرض له الخصوص ولا يبطل ذلك وضعهما الذي وضعا عليه أولا وإنما ذلك لكثرة المعاني وتداخلها واختلاف الأغراض وتباينها فمتى وجدت شيئا قد خالف أصله فإنما ذلك لسبب وغرض فيجت لك أن تبحث عليه ولا تتسرع إلى بعض الأصول دون تثبت وتأمل
فمن مشكل هذا الباب قول أبي كبير الهذلي ...
أزهير ان يشب القذال فإنني ...
رب هيضل مرس لففت بهيضل ...
زهير ههنا ترخيم زهيرة وهي ابنته فلذلك فتح الراء ورب ههنا مخففة من رب
وقول أبي عطاء السندي ...
فإن تمس مهجور الفناء فربما ...
أقام به بعد الوفود وفود ...
والمراد بهذين البيتين التكثير ولكن خرجا مخرج التقليل ليكون أمدح والمعنى أن هذا لو كان قليلا لكان فيه فخر لصاحبه فما ظنك به وهو كثير ويحتمل قول أبي عطاء السندي أن يكون أراد تقليل مدة حياة المرثي التي كثرت فيها عليه الوفود فعلى نحو هذه التأويلات فتأول ما ورد مخالفا للأصول
وملاك هذا الباب معرفة الحقيقة والمجاز وهو باب يدق على من لم يتمهر في هذه الصناعة فلذلك ينكر كثيرا مما هو صحيح ولله در أبي الطيب المتنبي حيث يقول ...
وكم من عائب قولا صحيحا ...
وآفته من الفهم السقيم ...
ولكن تأخذ الآذان منه ...
على قدر القرائح والعلوم ...
ومن طريف المجاز العارض من طريق التركيب ايقاعهم أدوات المعاني على السبب ومرادهم المسبب تارة وتارة يوقعونها على المسبب ومرادهم