وأما ورود المدح في صورة الذم فكقولهم أخزاه الله ما أشعره ولعنه الله ما أفصحه وقول كعب بن سعد الغنوي
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ...
وماذا يرد الليل حين يؤوب ...
وذكر ابن جني أن أعرابيا رأى ثوبا فقال ما له محقه الله قال فقلت له لم يقول هذا فقال انا إذا استحسنا شيئا دعونا عليه وأصل هذا أنهم يكرهون أن يمدحوا الشيء فيصيبوه بالعين فيعدلون عن مدحه إلى ذمه
وأما ورود الذم في صورة المدح فكقوله تعالى انك لأنت الحليم الرشيد وقول الشاعر ...
وقلت لسيدنا يا حليم ...
انك لم تأس أسوا رفيقا ...
وأما التقليل الوارد بصورة التكثير فنحو قولك كم بطل قتل زيد وكم ضيف نزل عليه وأنت تريد أنه لم يقتل قط بطلا ولا قرى ضيفا قط ولكنك بقصد الإستهزاء به كما تقول للبخيل يا كريم وللأحمق يا عاقل
وأما التكثير الوارد بصورة التقليل فنحو قولك رب ثوب حسن
قد لبست ورب رجل عالم قد لقيت فتقلل ما لبست من الثياب ومن لقيت من العلماء تواضعا ليكون أجل لك في النفوس لأن الرجل إذا حقر نفسه تواضعا ثم اختبر فوجد أعظم مما وصف به نفسه عظم في النفوس وإذا تعاظم وأنزل نفسه فوق منزلتها ثم اختبر فوجد أقل مما قال استخف به وهان على من كان يعظمه وقد يستعمل تقليل الشيء وهو كثير في الحقيقة لضروب من الأغراض والمقاصد كالرجل يهدد صاحبه فيقول لا تعادني فربما ندمت وهذا مكان ينبغي أن تكثر فيه الندامة وليس بموضع تقليل وإنما تأويله أن الندامة على هذا لو كانت قليلة لوجب أن يتجنب ما يؤدي إليها فكيف وهي كثيرة فصار فيه من معنى المبالغة ما ليس في التكثير لو وقع ههنا
ومن هذا قوله تعالى ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين
وإنما تأتي رب بمعنى التكثير في مواضع الافتخار والوجه في ذلك أن المفتخر يريد أن الأمر الذي يقل وجوده من غيره يكثر وجوده منه فيستعير لفظ التقليل في موضع لفظ التكثير إشارة إلى هذا المعنى وليكون أبلغ في الافتخار