قال أصحاب المعاني معناه لم يشيموا سيوفهم الا وقد كثرت القتلى بها حين سلت فمعناه كما ترى ايجاب وصيغته وظاهره نفي وإنما وجب هذا لأن قوله ولم تكثر القتلى ليس بجملة منقطعة من الجملة التي
قبلها معطوفة عليها على حد عطف الجمل على الجمل وإنما هي في موضع نصب على الحال من السيوف وتقدير الكلام لم يشيموا سيوفهم غير كثيرة القتلى بها حين سلت فصار بمنزلة قولك لم يجئ زيد ولم يركب فرسه إذا جعلت قولك ولم يركب فرسه في موضع الحال من زيد تقديره لم يجئ زيد غير راكب فرسه فمحصول معناه أنه جاء راكبا فرسه فظاهره نفي ومعناه ايجاب
وقد يجوز في المسألة أنه لم يجئ ولم يركب فتنفي الفعلين معا وتجعلهما جملتين ليست أحداهما متعلقة بالأخرى إلا على جهة العطف فقط
وأما النفي الوارد بصورة الايجاب فنحو قولهم لو جاءني زيد لأكرمته فصورته صورة كلام موجب لأنه ليس فيه أداة من أدوات النفي وهو منفي في المعنى لأنه لم يقع المجيء ولا الإكرام فإذا دخل عليه حروف النفي فقيل لو لم يشتمني زيد لم أضربه صارت صورته صورة المنفي ومعناه معنى الموجب ومن أجل هذا قال النحويون في قول امرئ القيس
فلو ان ما أسعى لأدنى معيشة ...
كفاني ولم أطلب قليل من المال ...
ان نصب القليل هنا محال لأنه لو نصبه لأوجب أنه قد طلب قليلا من المال وهذا خلاف ما أراده الشاعر ألا تراه يقول بعد هذا ...
ولكنما أسعى لمجد موثل ...
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي ...
فأخبر ببعد همته وعلوها وأنه انما يطلب الملك والرياسة ألا ترى النحويين قد جعلوا قوله ولم أطلب قليلا بالنصب ايجابا وظاهره نفي وإنما عرض هذا من قبل دخول 12ب لو في أول البيت وقد أعلمتك أن ايجابها نفي ونفيها ايجاب
ومن هذا قوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا