وليسوا ممن يرجع إلى شريعة قد حرفت وغيرت ، بل هم في صورة من هَمَّ ، أن يهتدي بهدى الفطرة ويستدل بما بسط الله تعالى في المخلوقات فلم يمعن النظر ولم يوفق فضلَّ وهم المجوس وسائر الثنوية ممن كان قصارى أمره نسبة الفعل إلى النور والإظلام ، ولم يكن تقدم لهؤلاء ذكر ولا إخبار بحال فقال تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} فبدأ تعالى بذكر خلق السماوات والأرض التي عنها وجد النور والظلمة ، إذ الظلمة ظلال هذه الأجرام ، والنور عن أجرام نيرة محمولة فيها وهي الشمس والقمر والنجوم ، فكان الكلام: الحمد لله الذي أوضح الأمر لمن اعتبر واستبصر ، فعلم أن وجود النور والظلمة متوقف بحكم السببية التي شاءها تعالى على وجود أجرام السماوات والأرض وما أودع فيها ، ومع بيان الأمر في ذلك حاد عنه من عمي عن الاستبصار {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] وقوله تعالى: {هو الذي خلقكم من طين} [الأنعام: 2] مما يزيد هذا المعنى وضوحاً ، فإنه تعالى ذكر أصلنا والمادة التي عنها أوجدنا ، كما ذكر للنور والظلمة ما هو كالمادة ، وهو وجود السماوات والأرض ، وأشعر لفظ {جعل} بتوقف الوجود بحسب المشيئة على ما ذكر ، وكان قد قيل: أيّ فرق بين وجود النور والظلمة عن وجود السماوات والأرض وبين وجودكم عن الطين حتى يقع امتراء فيه عن نسبة الإيجاد إلى النور والظلمة ، وهما لم يوجدا إلا بعد مادة أو سبب كما طرأ في إيجادكم؟ فالأمر في ذلك أوضح شيء {ثم أنتم تمترون} [الأنعام: 2] ثم مرت السورة من أولها إلى آخرها منبهة على بسط الدلالات في الموجودات مع التنبيه على أن ذلك لا يصل إلى استثمار فائدته إلا من هيئ بحسب السابقة فقال تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36] ثم قال تعالى: {والموتى يبعثهم الله} [الأنعام: 36] ، وهو - والله أعلم - من نمط {أو من كان ميتاً فأحييناه} ، أجمل هنا ثم فسر بعد في