ولما كان في هذا البيان لوحدانيته وتمام قدرته لا سيما على البعث الذي هو مقصود حكمته ما يبعد معه الشك في الإعادة ، أشار إليه بأداة التراخي وصيغة الافتعال فقال: {ثم أنتم تمترون} أي تكلفون أنفسكم الشك في كل من الوحدانية والإعادة التي هي أهون على مجاري عاداتكم من الابتداء بتقليد الآباء ، والركون إلى مجرد الهوى والإعراض عن الأدلة التي هي أظهر من ساطع الضياء ، وهذه الآية نظير آية الروم {أولم يتفكروا في أنفسهم} [الروم: 8] أي كيف خلقهم الله من طين ، وسلط بعضهم على بعض بالظلم والعدوان ، وجعل لهم آجالاً فاوت بينها وساوى في ذلك بين الأصل والفرع ، فأنتج هذا أنه ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ، أي بسبب إقامة العدل في جميع ما وقع بينكم من الاختلاف كما هو شأن كل مالك في عبيده {وأجل مسمى} - الآية.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بين سبحانه وتعالى حال المتقدمين وهو الصراط المستقيم ، وأوضح ما يظهر الحذر من جانبي الأخذ والترك ، وبين حال من تنكب عنه ممن كان قد يلمحه ، وهم اليهود والنصارى ، وكونهم لم يلتزموا الوفاء به وحادوا عما أنهج لهم ، وانقضى أمر الفريقين ، ذماً لحالهم وبياناً لنقضهم وتحذيراً للمتقين أن يصيبهم ما أصابهم ، وختم ذلك ببيان حال المؤقنين في القيامة يوم ينفع الصادقين صدقهم ، وقد كان انجرّ مع ذلك ذكر مشركي العرب وصممهم عن الداعي وعماهم عن الآيات ، فكانوا أشبه بالبهائم منهم بالأناسي ، أعقب ذلك تعالى بالإشارة إلى طائفة مالت إلى النظر والاعتبار ، فلم توفق لإصابة الحق وقصرت عن الاستضاءة بأنوار الهدى.