وَقَالَ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا: سَمِعْت يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ يَقُولُ: جَمَعْت هَذَا الْبَابَ فَمَا وَجَدْت عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ رَدَّ شَهَادَةَ
النَّصَارَى بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضِ إلَّا مِنْ رَبِيعَةَ ، فَإِنِّي وَجَدْت عَنْهُ رَدَّهَا وَوَجَدْت عَنْهُ إجَازَتَهَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْآيَةِ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي رُوِيَتْ فِيهَا عَنْ السَّلَفِ وَمَا نُسِخَ مِنْهَا وَمَا هُوَ مِنْهَا ثَابِتُ الْحُكْمِ ، فَلْنَذْكُرْ الْآيَةَ عَلَى سِيَاقِهَا مَعَ بَيَانِ حُكْمِهَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ تَرْتِيبُهَا عَلَى السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} يَعْتَوِرُهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ؛ فَحَذَفَ ذِكْرَ الشَّهَادَةِ.
الثَّانِيَةِ لِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْمُرَادِ ؛ وَيَحْتَمِلُ: عَلَيْكُمْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ؛ فَهُوَ أَمْرٌ بِإِشْهَادِ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الدَّيْنِ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} فَأَفَادَ الْأَمْرَ بِإِشْهَادِ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ.